قراءة بعيدا عن نشرات الاخبار

تابعنا على:   15:38 2026-03-24

صالح عوض

أمد/ لم تكن عمامة السيد الخميني كأي من عمامات المراجع الكبار في الدين حين قرر أن يحطم نظرية الانتظار وفلسفة التقية فرفع قبضته تلوح في الفضاء وتصدع بالحق المبين فتتهاوى الاصنام، ويعلن هجومه بلا هوادة ضد الشيطان الأكبر وأدواته.. ولم تكن ثورة الخميني مترددة في إعلان عناوينها: فلسطين والقدس قضيتنا المركزية، وإدارات الولايات المتحدة الشيطان الأكبر، ووحدة الأمة هدفنا.. ولم تكن يد الخامنئي التي عفاها الانفجار كأي يد من أيادي الحكام، بيد واحدة استطاع ان يبني دولة اقليمية بلد عالمية مقتدرة تتكسر عليها زوابع الشر فلقد كانت ثابتة على سلاحها لم ترتعش ولم تهن لحظة.. ما أطول الرحلة بسنواتها الاربعين وسبعة في متلاطم الموج وفي مواجهة الوحوش الضارية من كل صوب.. رحلة المخاض التاريخي، وزلزلت الأرض زلزالها وقال الناس مالها؟ هنالك أخرجت الدنيا كل سوئها تلقي به على المسيرة المباركة.. والثورة مستمرة.
في أي مرحلة نضع الثورة الإيرانية:
من السطحية أن ننهمك في سيل الأخبار والتقارير والتحليلات الموضعية ولا نستحضر السياق التاريخي الذي ولدت فيه الثورة الإيرانية بكل حيثياتها وأبعادها .. فالمعركة اليوم بقسوتها وخطورتها انما هي معركة التاريخ مع نفسه في محاولة طاحنة يحاولها المشروع ألاستكباري لتحطيم اندفاع الثورة لتصحيح مسار التاريخ، ويصر الثوار ان يفككوا الهجمة المجرمة ويخترقوا الصفوف ويضربوها ببعضها لعلهم يصلوا الى المكان والزمان الذي يمكنهم من إعلان إلغاء تفرد الأشرار..
انطلقت الثورة الإيرانية إجابة على أسئلة محلية و إقليمية ودولية بكل اتجاهاتها.. انطلقت بإسلام صاف ليس سلفي ولا علماني بعيدا عن التلوين الأيديولوجي والطائفي والعرقي.. أو على الأقل هكذا أرادت-حتى لا يغضب البعض- وحملت جملة أهداف متداخلة من بناء المجتمع من جديد وبناء مؤسسات على تصور قيمي جديد وبناء علاقات إقليمية ودولية على أسس جديدة.. وكانت لسبب من الأسباب تبدو وحيدة وهي تقدم نموذجا مختلفا تمام الاختلاف بتصور جديد تمام الجدة.
جاءت الثورة بعد سقوط الخلافة العثمانية بأكثر من سبعين سنة عاشتها الأمة انكسارات وهزائم وغزو علماني وتجزئة وتبعية وانهيار أمام الأجانب وانتشار القواعد العسكرية في بلاد العرب والمسلمين بعد أن اشعلوا الفتن بين عناصر الأمة ذلك كله لكي يضمنوا ضياع فلسطين.. جاءت الثورة بعد ان غيب الإسلام كقيم ومفاهيم وانتماء حضاري على مستوى القمة والنخب، فيما قد تحولت الحركات الإسلامية الى طوائف وطرق صوفية بأتباع ومريدين..
الثورة الإيرانية هي المحاولة الإسلامية الجادة بعد سقوط الكيان السياسي الإسلامي وهي المحاولة المستحيلة في الفكر السياسي الشيعي التي أخرجت الشيعة من التقوقع السياسي الى الريادة السياسية لأول مرة في تاريخ المسلمين الشيعة كما انها المحاولة القوية لجسر الهوة بين فرق المسلمين ومدارسهم عندما رفعت شعاراتها بوضوح ورسمت خططها على هذا ووضعت برامج عملية ثقافية وفكرية لتوحيد الأمة من خلال الاشتباك مع عدو الأمة المركزي في قضيتها المركزية.
لقد أحدثت الثورة الإيرانية زلزالها الكبير في الساكن في الأمة وأخرجت كل شيء للنقاش ومعها أصبح الإسلام قوة حيوية فاعلة في المجتمعات والسياسات بعد ان كان مهجورا ومزويا في مسائل النفاس والحيض ونواقض الوضوء او قصص السابقين وسير الحروب والفتوحات.
وضعت الثورة الإيرانية قطار الإسلام على السكة، وهب على هتافها أحرار من كل مكان يصنعون تيارا للوعي والثورة يرفع الرايات والشعارات ضد التجزئة والتبعية وضد الكيان الصهيوني.. من هنا بالضبط أدرك المستشرقون والساسة وصناع الموقف والقرار في الدوائر الاستعمارية أنهم أمام محاولة قد تطوح بكل مصالحهم ومشاريعهم فلم يمهلوها كثيرا فشنوا عليها حربا ضروسا ثقافية وإعلامية وعسكرية وأمنية ثم شنوا عليها الحصار المحكم لإسقاطها بتشجيع خصومها وأعدائها الداخليين والخارجيين.. إلا أن الثورة استمرت في التدفق وفي طريقها اللاحب تعثرت أحيانا وكبت مرات عدة إلا أنها سريعا تنهض و تلتحم بأصيل رؤيتها ودقة وعيها فتمسك بالبوصلة التي لم تسقط يوما: إنها القدس.
الطوفان ضرورة إستراتيجية:
لم يكن يحيى السنوار رجلا حالما ناقما ثوريا فوضويا بلا رؤية مرتبة وإستراتيجية كبيرة ناضجة.. لقد توصل يحيى السنوار الى معطيات سياسية واقعية ورؤية اخترقت حاجز المرحلة الصعبة.. وكانت البداية له هي البداية لانطلاق مشروع الثورة الإسلامية الى الخطوة الحاسمة فلقد أدرك ان الترهل في واقع الثورة في المنطقة وتغول الهجوم السياسي الصهيوني وانهيار المنظومات العربية وهرولتها للتطبيع مع العدو وتغيير دين الدول والشعوب ..أدرك ان هذا يجب ان يتوقف الى الأبد ثم أدرك أن العدو المتبجح لا يمكن ان يلجم بدون فعل أسطوري جنوني يمزق روحه ويرهق أعصابه وينبه العالم كله الى ضرورة إيقافه عند حده و إلا فان حروبا دينية إقليمية ستندلع تحرق الأخضر واليابس..
كانت رؤية السنوار وخطته وعمليته المجيدة في 7 أكتوبر هي المفتاح للمرحلة القادمة التي قفزت عن الواقع وضربت في عمق المحظور الصهيوني وأعادت السؤال الوجودي بكل لهيبه في صدور المحتلين وأسيادهم.. كان 7 أكتوبر الإعلان الكبير عن بدء مرحلة جديدة انخرط فيها اللبنانيون واليمنيون بقوة وبذلك خرجوا من مرحلة الانتظار والترهل وانطلقت الدولة الإيرانية لمسايرة الأحداث ودفعت بقوة لمساندة الجبهات الثلاث.. ودبت الحياة في محور المقاومة الذي كاد ان يتلاشى في ظل غياب الفعل الفلسطيني.. كان على الطليعة الفلسطينية ان تقدم قوافل الشهداء وعظيم التضحيات وان تكون أحجام التضحيات كافية لكي تدب الحياة في مفاصل المقاومين الأحرار في الأمة كما في نهضة أحرار العالم.. وبالفعل أنجز الطوفان مهمته الإستراتيجية التأسيسية.
كادت جبهات المقاومة تتجمد وتدخل بيات شتوي فجاء الطوفان لينظف أعينها من القذى وينفخ في أوصالها مقاومة عظيمة.. وفي رحلة الطوفان كانت هناك المعارك الملحمية في فلسطين ولبنان واليمن وكادت الضربات العنيفة التي استنفر العدو بها- مسنودا من كل الدول الغربية وبسلاح محرم دوليا- ان تنهد عزيمتها وتخار قوتها واضطر بعضها للخروج من المعركة مؤقتا بعد ان اصابه اذى عظيم ولم يبق في الميدان الا غزة واليمن..
كانت ايران دوما بحسب رؤية العدو الصهيوني الخطر الوجودي ضد المشروع الصهيوني كما انها كانت المعين الرسمي الوحيد المعلن المؤيد للمقاومة الفلسطينية.. وحسب التفسير الصهيوني فانه من العبث محاصرة المقاومة الفلسطينية واليمنية واللبنانية دون ان يضرب مركز مشروع المقاومة ايران.. يتلاقى هذا التوجه والتفسير مع تفسيرات كبار الرأسماليين الموجهين للبيت الأبيض حيث يتم النظر الى ايران بخطر استراتيجي محتمل في ظل الصراع الاقتصادي والجيوسياسي الدولي.
ما فعله الطوفان ويحيى السنوار و7 أكتوبر انه أشعل الفتيل بدم 100 ألف شهيد فلسطيني وبجراح 150 ألف من الأطفال والنساء والشيوخ.. أشعل الفتيل بجوع أشهر طويلة وتهديم بيوت القطاع ومحاصرته وخنقه بكل أفات الأمراض.. وهنا يمكن أن نكون قد استوعبنا ان الوضع الذي انتهى اليه حال الفلسطينيين والعرب قبيل السابع من أكتوبر هو الموت للقضية الفلسطينية والخنوع العربي التام لهيمنة اسرائيل التي انطلقت نحو هيكلة إسرائيل الكبرى وتغيير معالم الشرق الأوسط.. كانت هذه هي الأهداف التي رصد لها العدو إمكاناته وخططه وهيأ لها الواقع الإقليمي والدولي ومن هنا بالضبط نستوعب ان حجم التضحيات الكبيرة كان لابد منه لإسقاط الأهداف الأولية للمشروع الصهيوني في طبعته الجديدة..
ولكن عطاءات 7 اكتوبر تجاوزت ذلك كثيرا محليا واقليميا ودوليا.. ولعله من غير الضروري استحضار ما فعله 7 اكتوبر والطوفان في العالم حيث اصبحت غزة هي المعيار في المسارات السياسية للاحزاب والدول في العالم.. ولكن الذي نريد الاشارة اليه هنا ان الطوفان ادخل المنطقة كلها في التحولات.. وسرع من وتيرة الاشتباك مع ايران.. هنا تكون ايران بكل ما فيها من افكار وقيم وثوابت واعداد وتصنيع رغم الحصار قد فرضت عليها حرب جنونية اشتركت فيها الولايات المتحدة مع الكيان الصهيوني على قوس واحدة بالة عسكرية متطورة وذخائر في ارقى حالات الدقة استهدفت القيادات وعلى راسها المرشد الاعلى وقادة ممتازين على المستويات الامنية والعسكرية والسياسية ظنا بانهم بمثل هذه الضربة يسقطون النظام بعد ان فشلوا في تحريك مجموعات مسلحة لإثارة الشعب وإخراجه للشارع كما فشلوا في جعل المسلحين الأكراد قوة إخلال للأمن في البلاد.
ايران بعد المعركة:
لن التفت كثيرا لما تسوقه نشرات الأخبار لاسيما عن يوميات المواجهات ولا الى تصريحات الرئيس الأمريكي المتبدلة والمتناقضة ذلك أنني أدرك ان لاشيء من هذا يؤثر على نتائج الصراع العنيف.. الشيء المهم الان يدور حول مسألتين الأولى: ان يتقن الإيرانيون إدارة المعركة سياسيا و ميدانيا ويبدو ان الإيرانيين في هذا بلغوا القمة ولديهم من اللياقة ما يكفي تماما لتحطيم الهجمات المعادية، والثانية: الصمود والإيمان بقيمة الزمن في المعركة فلقد كشفت كل الحروب التي تدخلها أمريكا أنها تهزم بعامل الزمن أما الكيان الصهيوني فهو لن يستطيع تحمل أوزار حرب لا أفق في نهايتها فالاستنزاف بالصواريخ والمقاومة سيجعل أمام الكيان الصهيوني بابا واحدا يمكن ولوجه انه الرحيل من ارض فلسطين.
ان المقاومة اللبنانية المشتركة ألان في المعركة تظهر ان القتال وحده هو من يحمي المقاومة بعد ان كاد الجبناء في لبنان نصب الفخ للمقاومة وإسقاطها.. وهي اليوم فاعل أساسي في المعركة ولن يطول الوقت حتى تدخل صواريخ الحوثي في المعركة وحينئذ لن يكون فقط مضيق هرمز بل ومضيق باب المندب ولن تكون خطوط الانترنت في باب المندب الا إضافة لخطوط الإنترنت في هرمز.. بمعنى ان المعركة ان استمرت فستتعدد جبهاتها وعناوينها.. فالمستهدف ليس فقط قواعد أمريكا في الخليج بل وفي القاعدة الأكبر الكيان الصهيوني ولن يكون الرصاص والصواريخ فقط هم أدوات المعركة بل ان الاقتصاد والبنوك والكهرباء وخطوط الانترنت وما يبتعها من ملحقات كله سيكون في جوف المعركة..
إيران ستخرج من المعركة دولة قوية إقليميا ولها وزنها الدولي .. إيران ستمزق كل شروط أمريكا.. إيران ستسقط العقوبات وتعاقب المجرمين وتحمي حقوقها كدولة عزيزة قوية انتزعت انتصارها من خلال مواجهات واسعة عنيفة طويلة..
إيران بعد المعركة ستكون عصية على اي محاولة لتقزيمها.. ستنطلق في مشاريعها الصناعية الواسعة وترتفع عنها العقوبات وتنال حقوقها المالية وتدخل في تجارة وتعاون مع دول تتربص بالاقتصاد الأمريكي الدوائر..
ايران ستكون القوة الإسلامية الناجزة في نصرة كل قضايا العرب والمسلمين وعلى رأسها القضية الفلسطينية والقدس الشريف الذي جعله السيد خامنئي الهدف من هذه المعركة..
وستجد الدول العربية لاسيما مصر أنها الفرصة الكبيرة في تحجيم الكيان الصهيوني الذي لا يخفي إصراره على إقامة دولته من النيل الى الفرات وإعادة ترتيب الشرق الأوسط.. انها المواجهة الكبيرة انها بدر النهوض العربي الإسلامي.. إنها نقطة الانطلاق والخروج من حقبة الهزيمة والضعف والتبعية والهوان.. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

اخر الأخبار