فكيك النظام الإيراني.. هل بات واقع أم مطلب؟
خالد جودة
أمد/ أسئلة مفتوحة في لحظة إقليمية مضطربة… هل عاد الحلم الكردي إلى الواجهة؟
تعيش المنطقة منذ ليلة أمس على وقع تحولات متسارعة، بعضها ظاهر وبعضها الآخر يتحرك في الظل. هذه التحولات تعيد فتح ملفات مؤجلة منذ عقود، وفي مقدمتها المسألة الكردية التي تعود جذورها الحديثة إلى عام 1946، يوم وُلدت جمهورية مهاباد سريعاً ثم سقطت سريعاً. واليوم يبدو أن المشهد يعود إلى نقطة البداية، لكن في سياق إقليمي مختلف تماماً، ومع لاعبين جدد وحسابات أكثر تعقيداً.
السؤال الأول الذي يفرض نفسه هو ما إذا كان الحلم الكردي قد عاد فعلاً إلى الطاولة. التطورات الأخيرة أعادت الحيوية إلى الخطاب القومي الكردي، ودفعت قوى وشخصيات كانت تُحسب على الواقعية السياسية إلى إعادة النظر في حساباتها. حتى مسعود برزاني، الذي لطالما قدّم نفسه كزعيم براغماتي، يبدو وكأنه يتحرك ضمن مساحة جديدة من الطموح. ومع ذلك يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كنا أمام لحظة كردية جامعة أم مجرد اندفاع عاطفي سرعان ما يتبدد أمام تعقيدات الجغرافيا والسياسة.
ويتصل بذلك سؤال آخر أكثر عمقاً: هل يتحول الوجود الكردي الممتد في تركيا وسوريا والعراق إلى كتلة جغرافية وسياسية تسعى لخلق واقع جديد؟ فالتوزع الكردي عبر ثلاث دول مركزية في الإقليم يمنح المشروع القومي زخماً ديموغرافياً وجغرافياً، لكنه في الوقت نفسه يضعه في مواجهة مباشرة مع ثلاث حكومات ترى في أي تحرك وحدوي تهديداً لأمنها القومي. ومع ذلك، فإن التحركات الأخيرة توحي بأن هناك من يدفع باتجاه إعادة إحياء هذا المشروع، سواء عبر الدعم الأمريكي، أو عبر الانفتاح الإسرائيلي التقليدي على الملف الكردي، أو عبر أخطاء إيرانية متراكمة فتحت الباب أمام تحولات لم تكن مطروحة قبل سنوات قليلة.
وفي المقابل يبرز سؤال لا يقل حساسية: هل يقود هذا المسار إلى صدام مباشر مع تركيا؟ فأنقرة تنظر إلى أي توسع كردي على حدودها بوصفه تهديداً وجودياً، لكنها في الوقت نفسه قد تجد نفسها أمام خيارات غير مألوفة. قد تدخل في صفقات كبرى تعيد صياغة علاقتها التاريخية مع الأكراد، أو قد تقبل بكيان كردي محدود النفوذ مقابل مكاسب استراتيجية في سوريا أو العراق، أو ربما تنزلق المنطقة إلى جولة جديدة من التصعيد العسكري. ما يجري اليوم يفتح الباب أمام احتمالات متناقضة، من الصدام الحتمي إلى الخرائط التي تُرسم خلف الأبواب المغلقة.
ويتداخل مع ذلك سؤال يتعلق بالدور الإسرائيلي في تدريب آلاف العناصر الكردية على الحدود الإيرانية. هذا التطور يثير تساؤلات حول أهدافه الحقيقية، سواء كان تطويق إيران، أو خلق جبهة ضغط جديدة عليها، أو استخدام الورقة الكردية ضمن لعبة المساومات الكبرى بين واشنطن وتل أبيب وطهران. لا يمكن فصل هذا المشهد عن التوتر الإقليمي المتصاعد، ولا عن إعادة ترتيب التحالفات في المنطقة.
وفي سياق آخر يبرز سؤال حول ما إذا كان التوسع الكردي المحتمل قد يخفف الضغط عن الساحة السورية. هناك من يرى أن دفع الأكراد نحو التمدد قد يخدم أهدافاً متعددة، من تخفيف الضغط عن الجبهة السورية إلى إبعاد الطموح الكردي عن حدود إسرائيل، مروراً بخلق محور يمتد من شمال العراق إلى باب المندب عبر شبكة من التحالفات الدولية، وصولاً إلى الضغط على أوروبا عبر ملفات الطاقة والهجرة، أو حتى إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية العربية عبر كيانات جديدة على حدودها. هذه ليست سيناريوهات مؤكدة، لكنها أسئلة مشروعة في ضوء التحركات الأخيرة.
ومن بين الأسئلة الأكثر حساسية يبرز سؤال حول ما إذا كانت تركيا ستقبل في استبدال جارها الإيراني بجار كردي. فكرة كهذه كانت وستبقى مستبعدة ومستهجنة تماماً ، لكنها اليوم تُطرح في سياق جديد. هل ترى أنقرة أن جاراً كردياً ضعيفاً أفضل من جار إيراني قوي؟ أم أن هذا مجرد وهم سياسي؟ أم أن تركيا تستخدم الورقة الكردية للضغط على طهران؟
وفي قلب كل هذه التحولات يبرز سؤال محوري يتعلق بإيران نفسها. كيف خسرت طهران التعاطف العربي بهذه السرعة؟ خلال سنوات طويلة تمتعت إيران بهامش من التعاطف أو الحياد في عدد من الملفات، لكن الأسابيع الأخيرة شهدت تحولاً جذرياً. تصاعد التدخلات الإقليمية، الخطاب السياسي الحاد، التحركات العسكرية المثيرة للقلق، الفشل في قراءة المزاج الشعبي العربي، والسياسات الإعلامية الصدامية، كلها عوامل أسهمت في تغيير الصورة. دول كانت على الحياد بدأت تتخذ مواقف أكثر حدة، وربما تتجه نحو خصومة سياسية مفتوحة. يبقى السؤال ما إذا كانت إيران تدرك حجم هذا التحول أم أنها ما زالت تقرأ المشهد بعين ما قبل عام 2024.في النهاية نحن أمام مرحلة تتشكل فيها خرائط جديدة، لا أمام إجابات جاهزة. الصراع الإسرائيلي الأمريكي الإيراني يلقي بظلاله على كل الأطراف، من تركيا إلى الأكراد إلى الدول العربية. الأيام المقبلة قد تكشف ملامح أوضح، وقد تزيد المشهد غموضاً، لكن المؤكد أن المنطقة تدخل لحظة مفصلية ستترك آثارها لسنوات طويلة.
