بين فخ الاستنزاف والذوبان الديموغرافي.. هل يُدفع الخليج لمواجهة إيران أم يغلِّب "تصفير الأزمات"؟!
د. صلاح محمد ابراهيم أبو غالي
أمد/ عندما نمعن النظر في الأحداث الدائرة في منطقتنا العربية، ونحلل المشهد، ونقرأ المؤشرات والدلالات جيداً، نجد أن هناك قوى تريد أن تشتبك دول مجلس التعاون الخليجي بشكل مباشر مع إيران، وهي تعلم أن الاشتباك الحالي بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى سينتهي، ولكن الاشتباك المباشر بين دول المجلس وإيران إن وقع سيستنزف موارد الطرفين وسيتيح الفرصة لقوى كثيرة للتحكم بالمنطقة بحجة مساعدة دول الخليج للخروج من الأزمة ووقف الاستنزاف.
من المهم أن تدرك دول مجلس التعاون الخليجي ضرورة تجنب الإنزلاق إلى مواجهة مباشرة مع إيران، وأن التحديات الجيوسياسية في المنطقة كبيرة وعميقة. وهنا لا نعتمد فقط على تحليل المشهد الآني، بل نستشرف المآلات الاستراتيجية بعيدة المدى وفق التالي:
1. فخ "الاستنزاف المتبادل"
إن الدخول في صراع مباشر ومفتوح (Direct Kinetic Conflict) بين ضفتي الخليج لن ينتج عنه "منتصر"، بل سيخلق حالة من الإنهاك الاستراتيجي.
🔴 اقتصادياً: أي مواجهة ستعطل سلاسل إمداد الطاقة العالمية، وستحول الميزانيات الضخمة من "رؤى التطوير والاعمار" إلى "فاتورة التسليح والدمار".
🔴 تاريخياً: الإشارة إلى حرب الخليج الأولى (1980-1988) هي تنبيه ذكي؛ فكلا الطرفين خرج منها منهكاً، بينما استفادت القوى الدولية من بيع السلاح وإعادة رسم التحالفات.
2. نظرية "الفراغ الاستراتيجي" وإسرائيل
المواجهة المباشرة بين دول المجلس وإيران تحقق لإسرائيل هدفين بضربة واحدة:
تحييد القوى الإقليمية: إشغال القوى الكبرى في المنطقة ببعضها البعض يمنح إسرائيل "تفويضاً مطلقاً" لتعزيز نفوذها وتوسيع مشروعها دون رادع حقيقي.
التحكم بالقرار: عندما تُستنزف الموارد، تضطر الدول للبحث عن حماية خارجية، وهنا تفرض القوى الدولية (ومن خلفها المصالح الإسرائيلية) شروطها السياسية والجغرافية.
3. الوحدة كدرع "للهوية والديموغرافيا"
إن ربط المؤشرات والدلالات بين الاستنزاف العسكري والذوبان الديموغرافي هو ربط عميق؛ فالحروب الطويلة تؤدي عادة إلى:
- هجرات قسرية أو نزوح لمجتمعات كاملة.
- ضعف في بنية الدولة الوطنية لصالح تدخلات أجنبية تغير وجه المنطقة السكاني والسياسي.
لذا، فإن "اليد الواحدة الموحدة" ليست مجرد شعار سياسي، بل هي ضرورة وجودية.
4. البديل الاستراتيجي: "تصفير الأزمات"
تقديري للموقف يميل إلى ضرورة اعتماد الدبلوماسية الوقائية. بدلاً من الانجرار لمواجهة بالوكالة عن قوى دولية، تبرز أهمية:
- خلق قنوات حوار مباشرة لتقليل سوء الفهم.
- الاستقلال الاستراتيجي في اتخاذ القرار بعيداً عن ضغوط الأقطاب الدولية التي قد تضحي بمصالح المنطقة من أجل مصالحها العليا.
🟩🔚 الخاتمـــة:
من هنا فإنه ليس أمام دول المجلس إلا أن تكون بمثابة يد واحدة موحدة ورفض أي محاولة لفرض الإملاءات عليها وابتزازها، وإلا ستذوب ديموغرافياً ويأفل نجمها، هذا من جهة، ومن جهة أخري يجب أن يدرك قادة دول مجلس التعاون الخليجي بأن استمرار دوامة الصراع المباشر مع إيران إن حدث، ستكون حرب استنزاف طويلة الأمد شبيهة بحرب "العراق وإيران 1980-1988"، تُهلك وتُستنزف فيها موارد الجميع، وتكون إسرائيل بذلك قد خرجت بكل مكاسبها مع سقوط الطرفين، ويصبح لها سطوة على دول المنطقة، وتبدأ في تنفيذ حلم إسرائيل الكبرى..
هذه صرخة وعيّ سياسي؛ نُحذِّر فيها من أن "العدوّ الحقيقي" هو من يدفع المنطقة نحو الانتحار الجماعي ليحصد هو النتائج.
والحكمة السياسية اليوم تتطلَّب النَّفَس الطويل، وتغليب المصالح المشتركة، والامتناع عن خوض حروب الآخرين على الأرض العربية بالوكالة.
في ظل هذا التدافع المحموم، يبقى السؤال الوجودي الذي يفرض نفسه على طاولة التاريخ:
"هل ستمتلك المنطقة شجاعة الابتكار السياسي لصياغة قدرها بأيدي أبنائها عبر 'تصفير الأزمات'، أم أنها ستسمح لذاكرة الصراع بأن تبتلع حاضر الاستقرار، لتجد نفسها في النهاية مجرد 'جغرافيا منهكة' في مشروع غيرها، بدلاً من أن تكون هي 'التاريخ المتجدد' لذاتها؟!"/
