الميدان والنظام الدولي: رؤية جيوسياسية في صراع القطب الواحد
عياد البطنيجي
أمد/ تتجلى في المشهد الدولي المعاصر قراءة جيوسياسية ترى في الميدان العسكري مرآةً لهيكلية النظام العالمي؛ حيث تتحول النزاعات إلى ساحات لإعادة هندسة الأقاليم. الغاية النهائية من هذا الحراك ليست مجرد الحسم العسكري، بل استبقاء تفوق القطب الواحد وفرض نمط من السيادة الأمريكية الشاملة التي لا تقبل التعددية. وتُشكل الحرب الحالية منذ السابع من أكتوبر 2023 واجهة لقرار استراتيجي يهدف إلى إعادة رسم خارطة النفوذ وتغيير موازين القوى، حيث تبرز إسرائيل كأداة تنفيذية مركزية لهذا المشروع الذي لا يكتفي بكشف مآلات الصراع الميداني، بل يُعرّي حدود القوى الصاعدة التي ادعت مناهضة الهيمنة، ليثبت أن "نظام القطب الواحد" لا يزال يمتلك الفاعلية الحاسمة في إدارة الأزمات الكبرى.
لقد كشفت الحرب المتدرجة، من غزة ولبنان وصولاً إلى التهديد المباشر لإيران، ثم ضربها وقتل المرشد فيها، عن فجوة هائلة في الكفاءة الاستراتيجية بين الغرب وما يُسمى "القوى التعديلية" مثل روسيا والصين. وأثبتت الأحداث عجز البدائل الدولية، حيث ظلت شعارات "تعددية الأقطاب" ورهانات تكتل "بريكس" طموحات خطابية تفتقر للقدرة على صياغة بديل أمني أو دبلوماسي يضاهي الهيمنة الأمريكية. وفي المقابل، يتصرف الغرب ككتلة جيوسياسية واحدة، وهو انسجام يُطيل أمد الإمبراطورية الأمريكية ويُحبط محاولات القوى الصاعدة لتفكيك هذه الوحدة كشرط للتحول إلى قوى عظمى مكافئة. هذا التفوق هو ما يفسر غياب الوساطة الدولية المؤثرة، واقتصار المواقف على دعوات خجولة لوقف إطلاق النار، لعدم وجود قوة قادرة على فرض موازنة حقيقية للخطة الأمريكية.
وعلى الصعيد الميداني، يظهر بوضوح انكشاف أزمة "نموذج المقاومة" وسقوط شعارات "توازن الرعب" أمام الضربات النوعية والاغتيالات والتشويش التكنولوجي، مما أدى إلى اهتزاز الثقة في جدوى هذا الخيار. ويبدو أن الاستراتيجية المتبعة حالياً تهدف إلى تحقيق أهداف تكتيكية حاسمة، تبدأ بإنهاء النفوذ السياسي والعسكري لحركة حماس، وفصل جبهة لبنان عن غزة، وصولاً إلى تحويل القوى العسكرية العابرة للحدود إلى كيانات محاصرة، وانتهاءً بضرب النموذج الإيراني في فصله الأخير. وتؤشر هذه المواجهة على انتهاء مرحلة "التخادم" غير المباشر بين واشنطن وطهران، والتي استمرت لسنوات وتم خلالها استنزاف الدور الإيراني لخلخلة بنى الدول العربية وتفكيك نسيجها المجتمعي حتى استنفد الغرض منه.
إن غياب رؤية دولية منافسة، وعجز القوى الصاعدة عن حماية حلفائها، يترك الساحة مفتوحة للمبادرة الأمريكية-الإسرائيلية. وتتجلى محدودية هذه القوى في الفجوة بين الخطاب الدبلوماسي والقدرة الميدانية؛ فالصين تظل مقيدة بمعوقات بنيوية في محيطها الحيوي بـ "الباسيفيك" وعاجزة عن حسم سيادتها في بحر الصين الجنوبي، مما يجعلها "قوة محاصرة" جغرافياً وأمنياً. بالتوازي مع ذلك، تعاني روسيا من استنزاف وجودي في أوكرانيا، ما حولها إلى لاعب توازني فاقد للمبادرة. هذا العجز الجماعي جعل أطرافاً إقليمية كإيران وحيدة في مواجهة الآلة العسكرية الأطلسية، ليؤكد الصراع أن الهيمنة الأمريكية لا تزال العامل الحاسم، طالما أن البدلاء المحتملين غارقون في أزماتهم الجيوسياسية المباشرة، وغير قادرين على بسط نفوذهم خارج أسوار أقاليمهم المضطربة.
