معبر رفح: الجسد الذي يطرق الوطن
د. طلال أبوركبة
أمد/ لا يجب النظر لمعاناة العائدين لغزة باعتبارها مجرد إجراء أمني أو احترازي تقوم به قوات الاحتلال لإذلال الفلسطيني العائد لغزة رغم كل ما تم ممارسته من إبادة هدفت في جوهرها لتدمير مقومات الحياة واستهداف البقاء الفلسطيني.
المعبر هنا لم يعد مجرد بوابة بين عالمين يفتح ويغلق، بل يتحول لمسرح يومي لإهانة الإنسان الذي أحب الأرض وانتمى لها، هنا تصبح كل خطوة ثقيلة، وكل انتظار مرهق، وكل تفتيش إهانة، ليصبح المعبر إعلان صريح وواضح ولكن بلغة ثقيلة " أنت ضيف غير مرحب بك في بيتك .. في وطنك.. أنت موضع اختبار دائم...!
يقول هنري لوفيفر: "الفضاء ليس مجرد حاوية محايدة، بل هو مُنتَج اجتماعي وسياسي"، وهنا يصبح المعبر مسئول عن انتاج هذا الفضاء على جسد العائد: جسد يتعرض للفحص، للضغط النفسي، للإذلال، بينما الأرض التي عاش عليها حلمه، تتحول إلى ساحة خضوع لا رحمة فيها.
الإذلال هنا ليس عرضيًا؛ إنه تقنية سلطة، أداة في مشروع الاستعمار الاستيطاني الذي لا يسعى فقط للسيطرة على الأرض، بل لإعادة تشكيل العلاقة بين الفلسطيني ووطنه. المعبر يصبح اختبارًا يوميًا: اختبار للصبر، اختبار للكرامة، اختبار للوجود نفسه. الفلسطيني يصبح شاهدًا على واقعٍ يقول: الوطن ليس حقًا، بل امتيازٌ مشروط، والجسد هو الساحة التي تُمارس عليها كل رسائل الهيمنة.
في انتظار المعبر، يتحوّل الوقت إلى قيد طويل، والمساحة إلى سجن مرئي لا جدران له إلا الأسوار والعيون والمراقبة. كل تأخير هو درس في الخضوع، وكل تفتيش هو تأكيد على فقدان السيادة. هذا المشهد ليس مأساة فردية؛ إنه تجربة جماعية للذل، صدى استعمار متواصل، صورة للحياة المفقودة تحت سيطرة الآخرين.
المعبر، بهذا المعنى، ليس بوابة عبور، بل مرآة لأزمة الوطن. الوطن الذي يفترض أن يكون مكانًا للعيش، يتحوّل إلى اختبارٍ مستمر للهوية والكرامة. العودة إلى الأرض تصبح لحظة صادمة: الجسد هو الذي يطرق الوطن، ولكن الوطن نفسه مغلق، والكرامة مشروطة. هذا هو المعبر، رمز لإعادة إنتاج الاستعمار، رمز لكل تداخل بين السياسة والغربة، بين الهيمنة والإرادة، بين الأرض والجسد.
في كل خطوة، وفي كل انتظار طويل، يدرك العائد أن المعركة ليست فقط مع المحتل، بل مع الواقع اليومي الذي يحوّل الوطن إلى فضاء إذلال. وفي هذا الإذلال، تلتقي السياسة بالوجود، ويصبح الفضاء رسالة صارخة عن هشاشة السيادة وعنف الحياة اليومية تحت الاحتلال.
