مدرسة الجمهورية على محك التحدي: نحو إصلاح تربوي بذاكرة..
محمد المحسن
أمد/ المعركة التربوية في تونس اليوم هي معركة مصيرية،فهي لا تقل أهمية عن معركة الاستقلال ذاتها.إنها معركة من أجل استعادة دور المدرسة كرافعة للتنمية وصانعة للمواطن الواعي القادر على التكيف مع عالم متغير،دون تفريط في هويته..( الكاتب)
تعد قضية الإصلاح التربوي في تونس واحدة من أشد القضايا إلحاحًا وأكثرها تعقيدًا.فبعد عقود من الإصلاحات المتتالية،التي بدأت بجرأة مع إصلاح محمود المسعدي عام 1958،ما تزال المنظومة التعليمية تعاني من اختلالات عميقة ومتراكمة.
فمدرسة "دولة الاستقلال" أو "مدرسة الجمهورية''، وهي العنوان الأبرز لتجربة التحديث التونسية المميزة في العالم العربي،بدأت تتراجع وتتآكل.ويتفق الجميع على أنها لم تعد مثلما كانت عليه،وقد أصاب مفاصلها خللٌ كبير.ومواطن الخلل كثيرة.تطفو بين الحين والآخر مؤشرات تشي بأن المدرسة تنهار ويتراجع دورها في ترسيخ القيم الوطنية وتلك الأخرى الكونية،بعد أن اختزلت في إطار ما يسمى ''الإصلاحات التربوية'' إلى مجرد جهاز لصناعة وإعادة إنتاج "الجهل السائد"..!
فالمدرسة التي راهنت عليها نخبة الاستقلال لمقاومة الأمية والجهل والفقر،ضمن مشروع كبير عنوانه ''تحديث المجتمع وتحقيق التنمية"، تحولت بعد الانصياع المذل لتوصيات البنك وصندوق النقد الدوليين إلى علامة "لمرض" مزمن مسّ النظام التعليمي برمته..
ولطالما آمنت فئات كثيرة في المدرسة بوصفها مصعد الترقي الاجتماعي الذي يمكّن من هم في أدنى السلم من الخروج من حالة العوز والاندراج في الطبقات الوسطى،وكذلك بوصفها فضاء مميزا لتعلم جملة من القيم المتمثلة بالعقلانية والجد والانضباط،وهي قيم ارتبطت بسردية بناء الدولة الوطنية.هذه السردية-كما أشرت-تتراجع وتتآكل، رغم الشعارات السياسية المنادية بهيبة الدولة وضرورة استلهام اللحظة التأسيسية.
والسؤال الذي ينبت على حواشي الواقع :
هل آن الأوان للنظر إلى الأصلاح التربوي بعين بصيرة من خلال تشريح جذور الأزمة التاريخية، وتحليل مظاهرها الراهنة،واستشراف ملامح إصلاح حقيقي قادر على استعادة دور المدرسة في بناء الإنسان والوطن.؟!
لقد ارتبطت مسيرة التعليم في تونس الحديثة ارتباطاً وثيقاً بمشروع بناء الدولة الوطنية.فبعد الاستقلال،كان التعليم رهانًا استراتيجيًا لتحديث المجتمع،وتمثلت أولوية الدولة في تعميم التعليم وتونسته وتوحيده.وقد تجسد ذلك في قانون 4 نوفمبر 1958 الذي وضعه محمود المسعدي، والذي أقر مجانية التعليم وإجباريته،وساهم في قفزة كمية استثنائية ارتفع معها عدد التلاميذ والطلبة بشكل كبير.إلا أن هذه الروح التأسيسية الجريئة لم تستمر..! فمع مرور الوقت،تحول التعليم من مشروع وطني حيوي إلى منظومة بيروقراطية متضخمة.وشهدت البلاد سلسلة من الإصلاحات التي ارتبطت غالبًا بالسياق السياسي والتحولات الاقتصادية أكثر من ارتباطها برؤية تربوية مستقلة.فإصلاح 1991،على سبيل المثال، كان محكومًا بعوامل داخلية سياسية وبضغوط خارجية لمواءمة المنظومة مع متطلبات العولمة، مما أفرغ البرامج من جزء من حسها النقدي وعمق الفجوة بين مخرجات التعليم وسوق العمل. وهكذا،أصبحت المنظومة تدور في حلقة مفرغة من إصلاحات "قصيرة النفس"، تُبنى ثم تُهدم أو تُهمل قبل أن تنضج،في غياب تام لـ"ذاكرة مؤسسية" تحفظ تراكم التجارب وتقيّمها..!
مظاهر الأزمة الهيكلية الراهنة :
تعكس التحديات الحالية للمنظومة التربوية فشل النهج الترقيعي وتراكم الإخفاقات.فالمناهج التعليمية تعاني من التضخم المعرفي وضعف الصلة بمتطلبات سوق العمل ومهارات القرن الحادي والعشرين،كالتفكير النقدي والوعي الرقمي. كما يُعد "الزمن المدرسي" المكثف والمحشو إشكالية قديمة،فهو لا يراعي "الزمن الاجتماعي" ولا الاحتياجات النفسية والمعرفية للتلميذ الحديث الذي يعيش في عاصفة اتصالية،ويساهم في استشراء ظواهر سلبية مثل العنف في الوسط المدرسي.كما لا يزال تكوين المدرسين متخلفا عن ركب التطورات البيداغوجية والرقمية،ويعاني الكثير منهم من ضغط العمل ونقص الموارد.أما البنية التحتية للمدارس،خاصة في المناطق الريفية والداخلية،فهي هشة وتفتقر إلى الأساسيات،مما يكرس التفاوت الجهوي وينقض مبدأ تكافؤ الفرص الذي أرساه قانون 1958.
والنتيجة..؟!
تفشل المدرسة في تأهيل الناشئة للاندماج في سوق شغل متحول،مما يؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة بين حاملي الشهادات.من هنا،تحولت المعادلة من ضمان الارتقاء الاجتماعي إلى إنتاج بطالة هيكلية،وهو ما يغذي الإحباط والهشاشة الاجتماعية.
في ذات السياق،تواجه المدرسة تحدياً وجودياً مع صعود "المدرسة الموازية" المتمثلة في الفضاء الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي،التي تقدم مضامين لا تخضع لأي ترشيد.وأصبح تطوير مهارات التربية على الإعلام والمعلومات حاجة ماسة،مع الحفاظ على الهوية الوطنية والقيم في مواجهة تأثيرات العولمة.
ما المطلوب..؟!
الإصلاح التربوي المطلوب ليس مشروعًا وزاريا عابرا أو حزمة إجراءات تقنية،بل هو مشروع مجتمعي وطني شامل يتطلب رؤية استراتيجية واضحة،وإجراءات عملية واعية ومدروسة للخروج من دائرة "الإصلاح بلا ذاكرة" عبر تأسيس مركز وطني للذاكرة التربوية يجمع ويوثق ويقيم كل التجارب الإصلاحية منذ الاستقلال.وهذا-في تقديري-يمنع تكرار الأخطاء ويبني على الدروس المستفادة.
في السياق ذاته،يجب أن يهدف الإصلاح التربوي مضمونيّا إلى تحويل العملية الدّراسية من الدّراسة من أجل الامتحان إلى التّربية من أجل تكوين الشّخصيّة وتعزيز الذّكاءات المختلفة للمتعلّم، وربط التّعليم بالحياة في المحتوى والأساليب والتّوجهات.وهذا لا يتمّ إلاّ عبر تحديد وظيفة المدرسة بصفتها فضاء معرفيا،عمليا وتربويا يساهم في إعداد المتمدرسين للحياة الإجتماعيّة ضمن ثلاثة أبعاد،أولها رمزيّ (التّكوين اللّغوي والأخلاقي وكلّ ما يجب أن يلتزم به الفرد إجتماعيّا) وثانيها إبداعيّ (حيث تساعد على اكتشاف المواهب) وثالثها تقني (إتقان المهن والتمكّن من التكنولوجيّات..).
وهنا أقول: لقد أمست الحاجة ملحة لإنطلاق الإصلاح من هيئة مستقلة ومستقرة،كالمجلس الأعلى للتربية،بعيدا عن الاجتهادات الفردية والتقلبات السياسية قصيرة المدى،لضمان استمرارية المشروع على المدى الطويل.وهذا الأمر يتطلب تطوير مناهج تركز على بناء المهارات الحياتية والتفكير النقدي والابتكار،وإعادة هيكلة الزمن المدرسي ليكون أكثر مرونة ويلائم شخصية المتعلم المعاصر،مع إدماج الأنشطة الثقافية والرياضية والمشاريع.كما يجب أيضا أن يكون المدرس في قلب أي إصلاح،عبر برامج تكوين مستمرة نوعية تهدف أساسا لتطوير قدراته الرقمية والبيداغوجية،وتحسين وضعه المادي والمعنوي.
على سبيل الخاتمة
قد لا أجانب الصواب إذا قلت أن مشاريع "الإصلاح التّربوي"السّابقة تميزت باقتصارها على معالجة ما هو بارز دون الغوص في الجذور وملامسة عمق المأزق،واكتفت بترميم القديم، والبحث عن المسكنات دون النفاذ إلى المشاكل الحقيقيّة.كما تميزت بخلفيتها التّوظيفيّة وتبنّي منظومات تربوية تعتمد تعليما تلقينيّا منغلقا، انحصرت مهمّتها في شحن التّلاميذ بالمعلومات والمضامين النّظرية، مما أدى إلى تصحر معرفي وتدهور للمستوى التّعليمي من جهة،وتسليع التّربية وتشييئها من جهة أخرى بمعنى تحويلها إلى سلعة تباع وتشترى،الأمر الذي أدّى إلى تشييء الإنسان،وإفراغ ثقافته من عالم الأفكار وملئها بعالم الأشياء فاختُزِلْت متطلباته التّربويّة والتّعليميّة في ما هو مادّي من مضامين دراسيّة ومراجع،تمّ استيرادها من الخارج ونسخها.
والنتيجة ؟!
تسبّب هذا المسار في أزمة"قيميّة"كبيرة طبعت مختلف المؤسّسات التّربوية،حيث انتشرت فيها مظاهر اللاّمبالاة والسلبية،والغش في الامتحانات، والعنف العشوائي،وعدم الحياء..وغيرها بالإضافة إلى تفشّي ظاهرة التّدخين وتعاطي المخدّرات والمسكِّرات وتسويقها بين التّلاميذ والطّلبة.
وهنا أضيف : المنظومات التربويّة الناجحة لها أسس ومناهج وأهداف ورهانات،وكل إصلاح تربوي لا قيمة له دون أسس صحيحة ولا قيمة له دون أفق إنساني قيمي مشروعي (ضمن مشروع حضاري).لذا وجب البحث عن إجابات لأسئلة مثل : "أي منظومة نريد: تربوية،أم تعليميّة،أم تكوينيّة؟ وما هو النمط المجتمعي الذي نرغب في تأسيسه؟ وما هي-وفق قيمنا وإمكاناتنا وواقعنا وآفاقنا-الصورة التي ينبغي للنّظام التّربويّ أن يعمل من أجل بنائها للإنسان؟ وما هي المنظومة التّربوية المناسبة التي تضمن الانتقال من تكديس المعارف إلى إنتاجها،ومن التّعليم الكمي إلى تعليم يدربنا على كيفيّة التّفكير والإبداع؟
وإذن ؟!
المعركة التربوية في تونس اليوم هي معركة مصيرية،فهي لا تقل أهمية عن معركة الاستقلال ذاتها.إنها معركة من أجل استعادة دور المدرسة كرافعة للتنمية وصانعة للمواطن الواعي القادر على التكيف مع عالم متغير،دون تفريط في هويته.والنجاح في هذه المعركة يتطلب شجاعة نقدية للاعتراف بإخفاقات الماضي،وحكمة في استخلاص الدروس،وإرادة سياسية ومجتمعية جماعية لقيام "إصلاح بذاكرة".فتونس التي راهنت على التعليم لبناء دولة الاستقلال،مدعوة اليوم إلى الرهان عليه مرة أخرى لبناء مستقبل كريم لأبنائها،لأن في صلاح التعليم صلاح المجتمع بأسره،وفي إصلاحه إقلاع حقيقي نحو آفاق التنمية والحرية والكرامة.
هكذا تقف المدرسة التونسية اليوم على مفترق مصيري،لا تحتمل المزيد من التأجيل أو الترقيع. فإصلاح التعليم ليس ترفا فكريا أو شعارا سياسيا عابرا،بل هو استثمار في الإنسان وصون لكرامة الأمة.فالنجاح في هذه المعركة يتطلب شجاعة الاعتراف بأخطاء الماضي،وحكمة البناء على دروسه،وإرادة جماعية تجعل من المدرسة فضاء للإبداع والانتماء والارتقاء.لأن مستقبل تونس لا يُبنى-كما أشرت-إلا بإنقاذ مدرستها،فبصلاحها ينهض المجتمع،وبإصلاحها تتجدد أحلام الجمهورية.
وأرجو أن تستساغ رسالتي جيدا..وأن لا يقع إخراجها عن سياقها الموضوعي..!
