لاجئ فلسطيني سلاحي الإرادة والقلم

تابعنا على:   12:33 2026-01-17

عبداللطيف ابوضباع

أمد/ لاجئُ فلسطيني لا يسأل عن تعريفٍ يُنصفه، ولا عن قانون يعترف به، ولا عن عالم يتّسع لوجعه.
قلم أهش به على غنمي ولي فيه مآرب أخرى، أهشّ به على خوفي إذا تمادى، وعلى اليأس إذا استقوى، وعلى النسيان إذا تسلّل،أستدفئ به من برد الخذلان، وأقاوم به وحشة المنفى..
أكتب كي لاأموت صمتًا وأحرس به الذاكرة من النسيان،وأدقّ به جدار العالم علّه يسمع أنين الحق.
لاجئُ فلسطيني لا يملك ترفَ الادّعاء، ولا فائضَ القوّة، ولا خزائنَ الخطاب الجاهز.يملك فقط ماتبقّى بعد النكبات. القلم،في يداللاجئ،ليس حبر وورق هو عصا نجاة ووسيلة اتّزان في دروبٍ زلِقة.
قلم يُستخدم كماتُستخدم الأدوات البسيطة في حياة الفقراء: للعيش أولًا، ثم للمقاومة.
اللاجئ لايكتب لأن الكتابة هواية، بل لأن الصمت ترف لا يملكه. يكتب كي يثبت أنه ما زال هنا، وأن اسمه لم يتحوّل إلى رقم في ملف، ولا إلى خبرٍ عابر في نشرة مسائية. يكتب لأن الخيمة، مهما
اتّسعت، لا تتّسع للذاكرة إن لم تُدوَّن ولأن الوطن إن لم يُستحضَر كُلَّ حِين في اللغة تسرّب من بين
الأصابع.

وحين أقول"أهشّ به على غنمي"، لا أستعير عبارةً عابرة، بل استدعي حكمة النبوّة الأولى: العصا التي تُستخدم للرزق،وللهداية، وللدفاع. وللمعجزة إن لزم الأمر.القلم هو تلك العصا الحديثةلا يشقّ البحر، لكنه يشقّ السردية، ولا يُسقِط الطغاة،لكنه يعرّيهم ولايردعلى"المتصهينين المستعربين" لكنه يفضحهم ويهش عليهم .

أما "المآرب الأخرى"، فهي سرّ اللاجئ الذي لا يُقال كلّه. هي غضبٌ مؤجَّل، وحقّ لا يسقط بالتقادم .
أحاول أن اوقظ به السؤال،وأكسر به الصمت، وأفضح به الكذب!
اللاجئ يعرف أن القلم وحده لا يحرّر أرضًا، لكنه يعرف أيضًا ، أن من مآرب القلم ان يكون شاهدًا إذا كذب العالم، وقاضيًا إذا تواطأ، وسكينًا معنويًا إذا
استُبيحت الحقيقة.. لذلك يكتب،لاليقنع العالم الظالم، بل ليُدين صمته. لا ليطلب شفقة، بل ليؤكّد حقًّا. لا ليُزيّن المأساة، بل ليمنع تحويلها إلى عادة. هي ليست حرفة أو مهنة بل معاناة يتم ترجمتها الى حروف وكلمات مع بعض التعديلات،حتى تمر من تحت مقص الرقيب.

في زمنٍ تُقاس فيه القوّة بعدالصواريخ،يصرّاللاجئ على معادلة أخرى: الإرادة أولًا ثم القلم.
ثم ما تيسّر بعد ذلك.فكم أمّة امتلكت السلاح وخسرت المعنى، وكم من لاجئٍ امتلك المعنى فصار خطرًا على الرواية الزائفة ومروجيها وذويها.

لاجئُ فلسطيني لا أملك إلا الإرادة والقلم .لكنّ من يملك الإرادة ويصون القلم،يمتلك ما تخشاه الإمبراطوريات ،ذاكرةً لا تموت، وحكايةً لا تُهزَم.

اخر الأخبار