الى لجنة غزة
عبداللطيف ابوضباع
أمد/ القول إن هذه اللجنة “مؤقتة” لا يكفي. فالتاريخ الفلسطيني مليء بالمؤقت الذي طال، وبالمرحلي الذي تجذّر.
لجنة التكنوقراط في غزة: إدارة انتقالية أم إعادة إنتاج للوصاية؟
وكأن المشكلة كانت في طريقة الإدارة لا في جوهر العدوان، وكأن الدم الفلسطيني يحتاج إلى محاسب إداري لا إلى عدالة سياسية.
نعم، غزة منهكة، وأهلها يستحقون إدارة تُعيد الماء والكهرباء والدواء، لكن السؤال الذي لا يجوز القفز عنه:من يُدير؟ وبأي تفويض؟ ولمصلحة من؟
في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس القرارات بنيّاتها المعلنة فقط، بل بسياقها السياسي، وبالأيدي التي تمسك بمفاصلها، وبالأسئلة التي يُراد لها أن تبقى خارج النقاش.
ومن هذا الباب، تبرز لجنة التكنوقراط المقترحة لإدارة غزة بوصفها عنوان “المرحلة الثانية” بعد الحرب، لا كإجراء إداري محض، بل كخيار سياسي بامتياز.
لا شكّ أن الواقع الإنساني الكارثي في غزة يفرض البحث عن صيغة عاجلة لإدارة شؤون الناس: ماء، كهرباء، صحة، إعمار، ومعابر. وفي هذا المعنى، تبدو فكرة إسناد الإدارة إلى مختصين مهنيين خطوة مهمة،لكن الإشكال لا يكمن في مفهوم التكنوقراط بحد ذاته، بل في سياقه، وتركيبته، وسقفه السياسي.
غزة اليوم لا تحتمل ولا تتحمل مزيدًا من التجريب. وأي إدارة انتقالية، مهما كان اسمها، ينبغي أن تُقاس بقدرتها على:
خدمة الناس لا ضبطهم.
تمثيلهم لا إدارة شؤونهم بالنيابة عنهم.
حماية القرار الوطني لا تمييعه تحت عناوين “الحياد”.
أخطر ما قد تواجهه غزة بعد الحرب ليس الفوضى، بل إدارة “ناعمة” تُفرغ التضحيات من مضمونها السياسي.
التكنوقراط: أداة انتقال لا بديل عن السياسة
من الخطأ التعامل مع لجنة التكنوقراط كأنها حلّ نهائي.
هي – في أفضل الأحوال – أداة انتقالية، وظيفتها تنظيم الحياة، لا إعادة تعريف القضية، ولا هندسة الوعي، ولا القفز فوق جوهر الصراع.
القلق الحقيقي أن تتحول هذه اللجنةواجهة“مدنية” لشروط أمنية،أو مرحلة تطبيع مع واقع ما بعد العدوان ،أو مقدمة لنزع السياسة عن غزة باسم “إدارة الخدمات”
خلاصة القول
ليست المشكلة في أن تُدار غزة بعقول "مختصة"، بل في أن تُدار بلا ذاكرة، أو بلا إرادة، أو بلا أفق سياسي أوبلا
مقاومة.
ولجنة التكنوقراط، إن لم تكن جسرًا نحو استعادة الوحدة والقرار الوطني، فقد تتحول – عن قصد أو عن غير قصد – إلى إدارة أزمة دائمة، تُجمّل الواقع بدل تغييره.
غزة تحتاج إدارة… نعم
لكنها تحتاج قبل ذلك إلى بوصلة وطنية واضحة .
