رحيل "الملثم" أبو عبيدة
هانم داود
أمد/ أكدت كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، مقتل الناطق باسمها أبو عبيدة في غارة إسرائيلية قبل عدة شهور في مدينة غزة.
حين يترجل الفارس عن صهوة الكلمة
في غمرة النزال، وبينما كانت الأرض تمور تحت أقدام العابرين، ترجّل الفارس الذي لم تره العيون يوماً، لكن سكن صوتُه القلوب. أعلنت الميادين اليوم عن استشهاد "أبو عبيدة"، الناطق العسكري باسم المقاومة، ليكون غيابه صرخة مدوية في صمت التاريخ، وانتقالاً من "منبر البيان" إلى "فردوس الجنان".
صوتٌ شقَّ حجبَ الصمت
لقد كان الراحل أكثر من مجرد متحدث؛ كان أيقونة الصمود التي لم تنحنِ، وصوتاً زلزل عروش الزيف بعباراته المسجوعة وقوة بيانه. فبينما كان الرصاص يتكلم في الميدان، كان صوته "الموجةَ" التي تنقل نبض المقاومة إلى كل بيت. لقد استحال القماش الأحمر الذي لفّ وجهه رمزاً لعزةٍ تأبى الانكسار، وحجاباً عن دنيا الفناء لرؤية بقاء المبدأ.
الاستشهاد
إذا كان "أبو عبيدة" قد أتقن فن الكلام، فقد كتب اليوم بدمه خاتمة القصيدة. إن استشهاد القادة ليس انكساراً للمسيرة، بل هو "الوقود" الذي يذكي نيران العزيمة. فكما يغيب القمر ليعلن بزوغ الفجر، رحل الملثم ليترك خلفه آلاف الملثمين الذين رضعوا من بيانه عزة النفس وأنفة الكرامة.
"لا يموت من ترك خلفه صدىً يتردد في أذان الأحرار، ولا يغيب من نقش اسمه بحروف من نور في ذاكرة الأرض."
بين الغياب والحضور
اليوم، يفقد المنبر بريقه، وتفتقد الشاشات تلك اليد التي كانت تشير بالحق نحو الشمس. ولكن، هل يرحل من صار "فكرة"؟ إن الفكرة لا تموت برحيل حاملها، بل تنتشر كانتشار العطر في الآفاق. لقد انتقل أبو عبيدة من ضيق الدنيا إلى سعة الخلود، تاركاً خلفه "إرثاً من الكلمات" كانت أمضى من النصال، وأشد وقعاً من القذائف.
سيبقى ذاك الصوت يتردد في ردهات الذاكرة، وستظل عبارته الشهيرة ناقوساً يدق في عالم النسيان. إن رحيل الفرسان ليس نهاية القصة، بل هو الفصل الأسمى في رواية التحرير، حيث يمتزج الحبر بالدم ليُسطر فجراً جديداً.
