تحولات الحرب في غزة: إعادة صياغة المشهد الأمني وموازين القوى وآفاق المستقبل
عياد البطنيجي
أمد/ تشهد الأوضاع في غزة تحوّلات مهمة بعد انتهاء الحرب الأخيرة، حيث تغيّرت الاستراتيجيات الإسرائيلية وحسابات الأطراف الإقليمية والدولية. الحرب التي كانت تعتمد على تصنيف تهديد موحّد لحماس وغزة كوحدة واحدة تم فكّ ارتباطها بشكل واضح عبر مبادرات دولية مثل اتفاقية وقف إطلاق النار والمشروع الأمريكي لإعادة ترتيب المشهد في غزة. تراجع حماس على المستويين العسكري والسياسي شكّل منعطفًا أساسيًا، فقد شهدت الحركة عجزًا في التكتيكات الدفاعية والهجومية، خاصة مع بروز نقاط ضعفها في مواجهة العمليات الإسرائيلية المكثّفة.
فالتصنيف القائم على وحدة التهديد الذي كان يعتبر أن غزة وحماس كيانًا واحدًا، والذي يعني أن حماس هي غزة وغزة هي حماس، انتهى فعليًا مع توقيع اتفاقية وقف إطلاق النار والمشروع الأمريكي الخاص بقطاع غزة. هذه الترتيبات أدت إلى عزل السكان المدنيين عن حماس وساهمت في إعادة صياغة التصور الأمني والمحلي للمنطقة. في هذا السياق، لعب العجز العسكري لدى حماس دورًا بارزًا في إنهاء المواجهة، حيث كان هذا العجز واضحًا منذ بداية الحرب، لكنه ظل مستترًا تحت غطاء الوساطة الإقليمية التي كانت تساهم في مد أمد الحرب. ومع الوقت، تكشفت حدود قدرات حماس العسكرية بشكل أوضح نتيجة استهداف إسرائيلي ممنهج ضمن استراتيجية محكمة.
انتهاء دور الوساطة التقليدية تأكد مع استهداف الوفد الحمساوي المفاوض في الدوحة، وهو تطور حمل رسالة ضغط واضحة ومباشرة لكل الأطراف الفاعلة، خاصة الدول الراعية لحماس مثل قطر. تلك الرسالة أوضحت أن تمديد الحرب قد يدخل رعاة حماس أنفسهم ضمن دائرة الاستهداف. هذا التصعيد دفع الوساطات إلى اتخاذ مواقف جدية لحل النزاع، حيث أدركت الأطراف الوسيطة جدية الموقف الأمريكي وتصميمه على إنهاء الحرب.
لم يكن استهداف الوفد الحمساوي حدثًا منفصلًا، بل خطوة ضمن سلسلة من الضغوط التي مارستها إسرائيل والولايات المتحدة لتوجيه النزاع نحو تهدئة واقعية. كان الهدف الأساسي هو إجبار الوساطات الإقليمية وداعمي حماس على التصرف بجدية أكبر وضمان أن يكون الحل السياسي خيارًا عمليًا يُفضّل على استمرار الحرب.
أحد الأسباب التي دفعت نحو هذا الواقع الجديد هو تراجع ضروريات العمليات العسكرية الإسرائيلية. فالاستراتيجية المكثفة التي اعتمدتها إسرائيل خلال العامين الماضيين نجحت في تحقيق أهدافها الأساسية، مما جعل استمرار التصعيد غير ذي جدوى. بالإضافة إلى ذلك، حاولت إسرائيل تقديم نفسها كدولة تراعي توازن القوة في المنطقة، الأمر الذي ساعدها سياسيًا أمام المجتمع الدولي.
وفي المقابل، عانت حماس من تراجع واضح في الدعم الإقليمي الذي كان يمثل جزءًا كبيرًا من استراتيجيتها العسكرية والسياسية. بعد اتفاقية وقف إطلاق النار، بدا أن العمق الإقليمي للحركة تقلّص، مما أثر سلبيًا على إمكانياتها وصعّب من قدرتها على المناورة العسكرية أو السياسية. زاد ضعف هذا الدعم من العزلة الدولية للحركة وقلّص الخيارات المتاحة أمامها لصالح مصالحها الاستراتيجية.
بالإضافة إلى ذلك، حققت إسرائيل نجاحات ميدانية كبيرة ضمن إطار استراتيجيتها المعروفة باسم التطهير بالهدم أو معادلة الهدم الدفاعي. هذه الاستراتيجية مكّنت الجيش الإسرائيلي من السيطرة على المناطق الحدودية الاستراتيجية في القطاع، وحوّلت المناطق الشرقية والشمالية والجنوبية إلى ما يشبه الحزام الأمني. كما أدت العمليات العسكرية والدمار الشامل إلى كشف الشبكات الدفاعية لحماس، خاصة في أنفاق رفح. وعندما أُجبرت حماس على المواجهة المباشرة خارج الأنفاق، أظهرت محدودية قدرتها على التكيف مع سيناريو الحرب في العراء.
في ضوء ذلك، يبدو أن إسرائيل قد بلغت أهدافها الجوهرية من الحرب. فإلى جانب سيطرتها الواسعة على المناطق الحدودية وتحقيق معادلة الهدم الدفاعي، تمكنت من تقويض البنية التحتية للمقاومة وتحويل مواقعها الاستراتيجية إلى نقاط مكشوفة وغير قابلة للاستخدام مجددًا. باتت حماس غير قادرة على الاعتماد على الأنفاق كمصدر قوة أمام تعرّيها الميداني وخسارتها لعوامل التخفي والتكتيك التقليدي.
هذه التحولات ترتبط بمجموعة متنوعة من العوامل المؤثرة، يأتي في مقدمتها التراجع الإقليمي الواضح في مستوى الدعم المقدم لحركة حماس، إلى جانب محدودية قدرتها على المناورة سواء على الصعيد العسكري أو السياسي. هذه المعطيات تعزز من القناعة السائدة بأن فرص اندلاع جولة جديدة من الصراع الواسع باتت أقل احتمالية مما كانت عليه في الماضي. يُستدل من المشهد الحالي أن التصعيد لم يعد يمثل فائدة حقيقية لحماس، في حين أن إسرائيل لم تعد ترى فيه ضرورة ملحة، سواء من منظور عسكري أو أمني، ما يعكس تغيرًا في الحسابات والطموحات لدى الطرفين.
هذا الواقع يجعل احتمالية تجدّد حرب واسعة النطاق في غزة أقل واقعية في المرحلة الراهنة.
وفي ختام الأحداث، يمكن القول إن إسرائيل تمكنت من تحقيق معظم أهدافها في الحرب عبر إحكام السيطرة الجغرافية وتكريس استراتيجية التطهير بالهدم التي أحدثت شللاً حقيقيًا لقدرات حماس العملياتية وأضعفت تأثير الأنفاق بشكل شبه كامل. هذا الواقع فرض قواعد جديدة على الصراع وأعاد تشكيل موازين القوى داخل غزة وحولها، مع تقليص فرص اشتعال مواجهة عسكرية شاملة في المستقبل المنظور.
