في انتقال المراحل يتساقط كثيرون

تابعنا على:   16:55 2025-10-23

صالح عوض

أمد/ نلجأ الى تفسير الظواهر التي تبدو غير مفهومة ونستعين حينا بالشواهد التاريخية ونلتمس النجدة في التفسير النفسي الاجتماعي مدركين أن النفس وتعقيداتها أكبر من أن يحيط بها تفسير من أي نوع وما لم ينبعث النور من داخلها فإنها ستقلب المعاني وتركب سفن الجدل العقيم وتتبوأ مكانة تتمترس حول الأنا الفردية والحزبية والانتماءات العنصرية..
يقال أن رجلا في جزيرة العرب كان يدعا محمدا في بني ثقيف وقد علم من كتب اليهود والنصارى أن نبيا سوف يأتي من بلاد العرب فأخذ على نفسه التنسك والعزلة والتهيؤ أنه هو نبي العرب وفي تلك المرحلة علم عنه أنه يتودد ويتلطف ويمعن في الزهد حتى ذاع صيت محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة، فاستشاط غضبا وخلع عنه رداء الزهد والتنسك والطيبة والتودد وأقسم أنه لن يغسل شعر رأسه ولن يمشطها حتى يقضى على محمد مكة..
درس بليغ حول حقيقة الأدعياء الذين لا يدافعون عن فكرة ولا مبدأ.. درس يتكرر مع تكرر المسيرة البشرية منذ هابيل وقابيل..
التجارب التاريخية:
من واقع التجارب البشرية المكرورة نستخلص نواميس التغيير وشروطه وملابساته وما يحمل من جديد وما يلغي من قديم.. ولا تكاد تجربة بشرية كانت في حل من هذه الضوابط الصارمة.. ويصبح من المؤكد ان كثيرا من الناس الذين يبرزون في مرحلة كقادة ورواد لا يصلحون لمراحل أخرى تغيرت فيها المسلمات و الأهداف والبيئات .. وقليل من الناس من يدرك تغير الشروط فيتحرك بسرعة الى تجشم اعباء المرحلة الجديدة.. اما الكثيرون فيخرجون من مسرح الحياة الى هوامش سلبية منها ويجلسون للتصدي للجديد الفكري والشخصي تأكلهم الحسرات والحقد كما حصل ليهود في المدينة الذين تصدوا للرسول والرسالة رغم انهم كانوا يستفتحون على أهل يثرب بنبي يخرج منهم..
وفي الثورات نرى عجبا حيث تتوسع دائرة السلوك البشري في جوانب التصارع الداخلي داخل الصف الواحد.. فعلى باب كل مرحلة نرى شابا صغيرا مغمورا يتقدم الصفوف بمبادرة فائقة فيصبح هو من يقرر ومن يفرض الوقائع فيما شيوخ السياسة والثقافة و رموز المجتمع وقادة المرحلة السابقة تتجاوزهم الأحداث ويصبح بعضهم كناعق البوم او نابح الكلاب او ثرثار ذكريات وبطولات لم تنجز شيئا.. ولسان حاله يقول اذا لم تعمر بي فلتخرب بغيري.. و تنقلب لديه القيم والمشاعر وينسى الهدف الرئيس وينغمس في عمة البصر والبصيرة ويفقد الميزان والانصاف.
في علم المراحل وشروط التغيير واشتراطات الوجود يصبح الحديث ضروري لكي نقوم بعملية تفسير لظاهرة البعض الذين يسوءهم أي نصر للمقاومة ويتشفون لكل اذى يصبها.. انها ظاهرة اجتماعية متكررة اشار اليها القرآن الكريم في عديد القصص القرأني البليغ وسير الشعوب وحركات التغيير في شتى بقاع الأرض.
لكل مرحلة اجتماعية سياسية لمجتمع ما أو أمة ما روادها صانعوها بافكارهم ونشاطهم وحيويتهم وفدائيتهم.. في هذه المرحلة تبرز قيم معينة وشروط تسابق معينة تصبغ المرحلة بثقافة هؤلاء الرواد وافكارهم ومشاعرهم.
ولحكمة يريدها الله انه جعل الميلاد صعبا وشاقا ومرهقا.. وقد يكون بعملية قيصرية، هذا بالضبط هو حال ميلاد مرحلة من مرحلة.. وهذا ما ينطبق على واقعنا الفلسطيني خلال ثلاثين سنة مضت.. وقانون الحياة والتدافع يقول بملء الفم واليقين من لايتجدد يتبدد ومن لا يتجدد قد يتحول الى عدو للحياة من حيث لايشعر ومن لايتجدد يخون فكرته التي امن بها وهي بدورها ستخنقه وتقتله..
الاجابة الطوباوية تقول ان يصطلح الماضي مع الحاضر.. يمعنى ان تتفهم المرحلة السابقة ان المولود الجديد لديه من قوة وافكار ومشاعر مختلفة وهي لن تلين وعليه يكون التفاهم بين القديم والجديد مكسبا للجميع ولجما لانفلات المشعوذين المسعورين في المرحلتين..
الثورة الفلسطينية وصلت بعد تجارب صعبة وعسيرة الى قناعات تفضي الى ضرورة نهج العمل السياسي الدبلوماسي بعد أن انفض النظام العربي عن الصراع وتركها وحيدة مشتتة و لم يتجل ذلك فقط في السعي نحو تحقيق وثيقة أوسلو، إنما كنهج لا بديل عنه في التعامل مع القضية الفلسطينية.. ولكن ينبغي أن نستذكر جميعا ان هذا الموقف ليس كل تاريخ الثورة الفلسطينية فهي من جعل السلاح والعمل العسكري جواز سفر أي تنظيم فلسطيني للدخول للمجلس الوطني وهي كذلك حققت انجازات تاريخية للشعب الفلسطيني من خلال مسيرة نضالية طويلة وعميقة فانتزعت قرار التمثيل الفلسطيني وانتزعت قرارات دولية واممية بخصوص التعاطي الايجابي مع القضية الفلسطينية.. وفي هذه الملحمة الفلسطينية تحت رايات م ت ف قدم الفلسطينيون لاسيما في الخارج عشرات الاف الشهداء على ايدي النظام العربي وادواته..
برزت المقاومة الإسلامية الفلسطينية-"حماس والجهاد"- بمسلمات مختلفة وأفكار جديدة ومنهج فكري مختلفين.. وقد كان كوادرها وقادتها عمريا فئات شباب انطلقوا من قاعدة رفضهم توجه السلطة الفلسطينية الفكري والسياسي و رفضهم الحلول السلمية لاسيما وهي مقتنعة ان سلوك الكثيرين من ابناء المرحلة السابقة قد ابتعدوا شيئا فشيئا عن خيار المواجهة العنفية مع العدو فرأوا فيهم انهم قد ضربتهم المصالح والمنافع الشخصية في مقتل.. ولذلك اخذت على نفسها المقاومة المسلحة الضارية التي تطورت كثيرا ولكن هذا الخيار في البداية اختلط بتدافع تنافي في الساحة واستزف كثيرا جراء الصراع الجدلي والاشتباك الداخلي.. فما انتهت اليه الحركة الاسلامية لم يكن هو ما انطلقت منه فلقد شابها بعض القصور في الوعي عند الانطلاق وتحركت بحزبية خانقة ومع الزمن تطور وعيها وفهمها وتوسعت دائرة الاشتباك واصبح نصيب الاشتباك مع الخارج اكبر من الاشتباك في الداخل..
على طوال مرحلة التطور الحاصل على المقاومة كانت تواجه بقوة تشبث حراس المرحلة السابقة التي انزاحت نحو رؤية سياسية جديدة يراها ابناء المرحلة الجديدة انها ليست من طبيعة هذه الارض انما هي محض ضعف وهزيمة..
لم يكن سهلا ان يسلم سدنة المرحلة السابقة وقادتها بميلاد حالة تتقدم لتسود في المرحلة الحالية وتفرض سلمها وحربها على الجميع هنا يختلط الصحيح بالتوتر وتغيب لغة الحوار المنطقي.. وفي مثل هذه الحال تصبح عملية اسقاط المقولات جهد يستعر نارا لاسقاط الطرف الاخر في المشهد الفلسطيني.
ما شهدناه في سنتي الطوفان ضرب بعمق منطق المجاملات والدعوات للمصالحة والتوحد وقطع نهائيا الطريق على أي محاولة لرأب الصدع الداخلي بين تيارين احدهما قاد ملحمة جنونية كان من جرائها مخاضات عديدة في العالم والاقليم والمحلي..
للأسف هناك مطبات غير منطقية امام التيارين المتنازعين قيادة الشعب الفلسطيني.. كان على التيار صاحب المرحلة السابقة ان يرى في قادة المرحلة الحالية امتدادا لنضاله وتصديقا لمنهجه وتقوية لمكتسباته فينهض إليه مساندا ومعاضدا وذائدا عن حياضه وكان على قادة المرحلة الحالية ان يبسطوا أيديهم بالمحبة ويفتحوا قلوبهم بالحرص ويتحركوا نحو من سبقهم للاستفادة من الخبرة والقدرة وذلك على أرضية الفهم بان كل منجزاتنا السياسية الفلسطينية لم ينجزها فصيل بعينة وانها في معظمها انجازات المرحلة السابقة لاسيما على صعيد بناء م ت ف الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني..
رغم ابتعاد التيارين عن منهج الحكمة في تقوية الصف الفلسطيني ورغم التنازع اللفظي الذي يفرض حصارا على عقول كثيرين وعلى طريقة تعاملهم مع بعضهم الا ان المرحلة القادمة ستكون هي مرحلة ولادة قادة وسادة مختلفين ..
الشعب الفلسطيني كله ضحى وقدم عشرات ألاف الشهداء وليس لاي فصيل الادعاء انه كان سباقا عن الشعب في تضحياته.. من هنا نقف على عدة احتمالات للمرحلة القادمة مع التأكيد ان القول عن مرحلة قادمة لا يعني غدا..
الاحتمال الاول: تصالح السابقين مع اللاحقين بإحسان والاستفادة من خبرة الماضي وعنفوان الحاضر وهذا فيه فائدة للجميع .. ولكني ارى ان ذلك لم يحصل في التاريخ وارى صعوبة- ان لم يكن استحالة- حدوثه في زماننا.
الاحتمال الثاني: ان يتم إقصاء التيارين بفعل أسباب كثيرة وينتهي فعلهما بحكم ذلك التدافع ولقد حصل مثل هذا سنوات طويلة في تاريخ شعبنا.. وكنا لسنوات بلا مشروع وطني ولا قومي ولا إسلامي.. في انتظار ان يأتي جيل آخر يقود المرحلة بما يتناسب مع القضية بجدية ووعي ويفرض نفسه على المرحلة المقبلة ولكن هذا الخيار سيجد ساحات الاصطدام مع حراس المرحلة السابقة وقادة المرحلة الحالية معا.. هي سنة التدافع والمخاض والميلاد
الاحتمال الثالث: ان يستطيع أصحاب المرحلة الحالية ان يتقدموا من خلال علاقات دولية وإقليمية لتسلم مقاليد امور المرحلة المقبلة ولكن حدوث ذلك لن يكون بلا ثمن سياسي كبير الأمر الذي يعني اننا سنعود ندور في دائرة فارغة.. لنبحث عن طليعة للمرحلة المقبلة..
المهم في كل الأحوال لن يكون وضعنا الفلسطيني قبل 7 اكتوبر كما هو بعده.. فلقد سقطت المجاملات والتفاوضات واللقاءات والوثائق .. سقط كل ذلك ونحن ندرك ما فعل الطوفان بنفوس الناس ووعيهم وهذا ما ينبغي ان لا يجهل.. تولانا الله برحمته.

اخر الأخبار