حين يمد الاحتلال أنيابه إلى البحر الأحمر !!
محمد ناجي الهميس
أمد/ البحر الأحمر ليس مجرد ممر مائي يربط بين البحر المتوسط والمحيط الهندي، بل هو شريان اقتصادي وأمني بالغ الأهمية، تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة العالم وموارده. ومع ذلك، بات اليوم مسرحًا لأطماع وسباق نفوذ يهدد استقراره ومستقبل دوله المطلة.
الكيان الصهيوني على وجه الخصوص ينظر إلى البحر الأحمر باعتباره جزءًا لا يتجزأ من مشروعه التوسعي. فمنذ عقود وهو يسعى لبسط نفوذه في هذه المنطقة الحساسة، مدركًا أن السيطرة على الممرات البحرية تعني امتلاك ورقة ضغط كبرى على العالم بأسره، فضلًا عن الدول العربية المطلة على البحر.
اليوم، وبعد أن نجح في تثبيت وجوده في شرق المتوسط عبر تحالفات وصفقات مشبوهة، يحاول الكيان أن يمد أذرعه نحو البحر الأحمر، مستخدمًا التطبيع والشراكات الأمنية والاقتصادية غطاءً لتحركاته. وهو لا يخفي أهدافه، بل يعلنها بوضوح تحت مسمى "الأمن البحري"، بينما المقصود الحقيقي هو تكريس نفوذ عسكري واستخباراتي طويل الأمد.
في المقابل، القوى الدولية الأخرى تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره ممرًا استراتيجيًا لمصالحها، لكنها لا تسعى وحدها لابتلاع المنطقة بقدر ما تسعى لتقاسم النفوذ. أما الكيان الصهيوني فيسعى لأن يكون اللاعب الأكثر استفادة من كل هذه المعادلات، مستغلًا حالة الانقسام العربي، ومراهنًا على التناقضات الداخلية للدول.
الخطر هنا لا يكمن فقط في وجود إسرائيل، بل في طبيعة مشروعها. فهي لا تكتفي بالدفاع عن حدودها كما تزعم، بل تنطلق من عقيدة توسعية تعتبر أن الأمن الإسرائيلي يبدأ من خارج فلسطين، ويشمل السيطرة غير المباشرة على محاور استراتيجية مثل البحر الأحمر.
إن استمرار الصمت العربي، وغياب الرؤية الموحدة للدول المطلة على البحر، يفتح الطريق أمام تل أبيب لتكريس نفوذها أكثر، وربما تحويل البحر الأحمر إلى ورقة مساومة وضغط سياسي وأمني على المنطقة بأسرها.
البحر الأحمر ليس مجرد جغرافيا ولا مياهاً مفتوحة، إنه أمن قومي لكل العرب. وإذا لم يدرك القادة أن التحدي الحقيقي اليوم يتمثل في مواجهة الأطماع الإسرائيلية، فإنهم سيجدون أنفسهم غدًا أمام واقع جديد يرسمه الاحتلال على مقاسه، ويصبحون مجرد متفرجين على ضياع شريان استراتيجي لا يقدَّر بثمن.
