الاعتراف البريطاني بدولة فلسطين: بين التصحيح التاريخي والمسؤولية القانونية الدولية
د. جهاد أبولحية
أمد/ يمثل اعتراف بريطانيا الرسمي بدولة فلسطين في 21 سبتمبر 2025 نقطة تحول تاريخية في مسار القضية الفلسطينية، إذ جاء الإعلان على لسان رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بعد أكثر من قرن على وعد بلفور المشؤوم الصادر عام 1917. هذا الاعتراف لا يمكن اعتباره خطوة دبلوماسية عابرة، بل يجب النظر إليه كجزء من عملية تصحيح تاريخي لأكبر خطيئة سياسية ارتكبتها بريطانيا بحق شعب فلسطين، حين منحت "من لا يملك لمن لا يستحق" أرضاً ليست لها لتكون وطناً قومياً لليهود، متجاهلةً وجود الشعب الفلسطيني وأحقيته الطبيعية والقانونية في تقرير مصيره.
لقد شكّل وعد بلفور الأساس القانوني والسياسي الذي مكّن الحركة الصهيونية من إقامة دولة إسرائيل عام 1948 على أنقاض الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني. وباعتبارها الدولة المنتدبة على فلسطين وفق صك الانتداب (1920-1948)، فقد سخرت بريطانيا إمكانياتها السياسية والعسكرية والإدارية لفرض تفوق يهودي على العرب الفلسطينيين، بل ووفرت السلاح والتدريب للميليشيات الصهيونية التي ارتكبت المجازر وأرست دعائم التطهير العرقي.
وبذلك، فإن بريطانيا لم تكن مجرد مراقب منحاز، بل فاعل مباشر في صناعة النكبة الفلسطينية، ما يجعلها مسؤولة بموجب القانون الدولي عن الأضرار التي ترتبت على فعلها غير المشروع دولياً.
إن اعتراف بريطانيا بدولة فلسطين يأتي متأخراً، لكنه يُعد خطوة نوعية تحمل عدة أبعاد:
1. البعد القانوني: الاعتراف يُعتبر عملاً سيادياً مشروعاً يترتب عليه التزامات دولية، أهمها التعامل مع فلسطين كدولة تتمتع بحقوقها كاملة وفق ميثاق الأمم المتحدة، ولا سيما حقها في تقرير المصير (المادة 1 من الميثاق) وعدم جواز الاستيلاء على أراضيها بالقوة (المادة 2/4 من الميثاق).
2. البعد السياسي: الاعتراف البريطاني يمثل ضربة رمزية قوية للرواية الإسرائيلية ويعزز مسار الاعترافات الدولية المتنامية. فاعتراف الدولة التي أصدرت وعد بلفور يمهّد الطريق لبناء إجماع دولي أوسع داخل الأمم المتحدة، وخاصة قبيل انعقاد مؤتمر نيويورك والدورة الثمانين للجمعية العامة.
3. البعد الأخلاقي والتاريخي: الاعتراف يُقرأ كبداية لتخفيف العبء الأخلاقي والتاريخي الذي تتحمله بريطانيا عن مأساة الفلسطينيين. غير أن هذا الاعتراف، رغم أهميته، لا يُعفي بريطانيا من واجبات أخرى لازمة لتحقيق العدالة التاريخية.
القانون الدولي لا يكتفي بالاعتراف لتصحيح الأفعال غير المشروعة، بل يفرض التزامات أوسع. وفق مشروع لجنة القانون الدولي بشأن مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً (2001)، فإن الدولة التي ترتكب فعلاً غير مشروع تلتزم بـ:
الاعتراف بالخطأ والاعتذار عنه.
وقف الانتهاك وضمان عدم تكراره.
إصلاح الضرر، سواء بالتعويض المالي أو رد الاعتبار أو الضمانات المستقبلية.
بناء على ذلك، فإن بريطانيا ملزمة اليوم ليس فقط بالاعتراف بدولة فلسطين، بل أيضاً:
1. إصدار اعتذار رسمي للشعب الفلسطيني عن وعد بلفور وما ترتب عليه من نكبة وتشريد.
2. إعلان التزام قانوني بتعويض المتضررين ـ أفراداً وجماعات ـ عن الأضرار المادية والمعنوية التي ترتبت على سياساتها خلال فترة الانتداب وما بعدها.
3. المساهمة الإيجابية في جهود المجتمع الدولي لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، باعتباره استمراراً للأوضاع غير المشروعة التي ساهمت بريطانيا في تأسيسها.
يأتي الاعتراف البريطاني في توقيت استراتيجي قبيل انعقاد مؤتمر نيويورك اليوم الذي تقوده المملكة العربية السعودية بالشراكة مع فرنسا. هذا الاعتراف يعزز الزخم السياسي الذي تمخض عن جهود السعودية الدبلوماسية لحشد أكبر عدد من الاعترافات الجديدة بالدولة الفلسطينية.
وبذلك، فإن بريطانيا، باعترافها الرسمي، لا تصحح فقط خطيئة تاريخية، بل تساهم أيضاً في ترسيخ إطار قانوني وسياسي جديد يعزز فرص فلسطين في الحصول على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، ويقوي موقفها أمام المحاكم الدولية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.
إن اعتراف بريطانيا بدولة فلسطين لا يُمكن عزله عن سياقه التاريخي والقانوني. فهو من جهة يشكل بداية لتخفيف المسؤولية الأخلاقية والسياسية عن وعد بلفور المشؤوم، ومن جهة أخرى يعزز موقع فلسطين القانوني والسياسي على الساحة الدولية.
غير أن هذه الخطوة، مهما كانت أهميتها، ستظل ناقصة ما لم تُستكمل بـ اعتذار رسمي وتعويض شامل للشعب الفلسطيني عن قرن من المعاناة التي أسس لها ذلك الوعد.
وعليه، فإن الاعتراف البريطاني، رغم أهميته، ليس نهاية المطاف، بل بداية لمسار قانوني وأخلاقي يجب أن ينتهي بإقرار بريطانيا الكامل بمسؤوليتها التاريخية، والتزامها بمبادئ العدالة الدولية، وبجبر الضرر الواقع على الشعب الفلسطيني.
