ياسر عرفات ، الرحلة الأخيرة

تابعنا على:   16:16 2025-09-10

اياد جوده

أمد/ كانت بداية الرحلة الأخيرة في عام1993 عندما قررت منظمة التحرير الفلسطينية توقيع اتفاق أوسلو، هذه هي قناعتي فياسر عرفات القائد والرمز ومفجر الثورة المعاصرة لم يكن سيرتضي في المستقبل أقل من قرارات الشرعية الدولية متمثلة في قرار 242,338,194.
قرارات لاتزال وستظل مرتبطة ارتباطا كليا بالقضية الفلسطينية فهي التي تؤكد على انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي المحتلة عام1967 وهي التي تنص على حق العودة والتعويض للاجئين الفلسطينيين.
لماذا الان قررت أن اكتب عن هذه الحقبة المهمة في تاريخ شعبنا؟ ولماذا أشعر بضرورة القاء الضوء على ما حدث؟
سنكتب ما نستطيع ولكن ليس بطريقة تاريخية فأنا لست كاتبا للتاريخ. اعتقد بأن ما نمر به دائما في حياتنا وتجاربنا السياسية تجعلني اعيد قراءة المشهد الفلسطيني ككل منذ اللحظات الأولى للصدام مع الاحتلال البريطاني مرورا بالمواجهة المستمرة مع الاحتلال الإسرائيلي وما رافق كل تلك الرحلة التاريخية من متغيرات جيوسياسية وما رافقها من متغيرات على صعيد القوة والفكرة التي كانت جامعة للعرب يوما ثم ما لبث ان خسر العرب حتى مجموعة الأفكار التي كانت تجمعهم.
وأنا انظر الى التاريخ أجد قرارات التقسيم عام1948 وأجد أوسلو وأقول كما يقول البعض لماذا رفضنا قرارات التقسيم التي تلقفتها إسرائيل فورا دون أي ملاحظات والتي على أساسها باتت عضوا في الأمم المتحدة (مع ضرورة التنويه بأن قبولها كان مشروطا بقبول دولة فلسطين).
لماذا أضعنا تلك الفرصة التاريخية التي كانت تفوق أوسلو بمراحل؟ لا أستطيع لومهم على الاطلاق لأنك عندما تصدر حكما على شخص ما او حالة سياسية ما فأعتقد من الانصاف ان تحيط نفسك بكل تلك الظروف التي مر بها الاخر وحتى تكون منصفا لا بد ان تكون أكثر قدرة على معايشة ومحاكاة تلك المرحلة وحتى ولو بعد مليون عام ثم تصدر حكمك الذي ترتضيه مهما كان ذلك الحكم. ولكن بشرط كما اسلفت وهو المرور بما ذكرت سابقا حينها يكون الحكم حكما محترما ومقبولا حتى ولو اختلف القضاة في الاحكام.
لم تكن تلك المنطقة من العالم منطقة عادية على الاطلاق ولم تكن قيادات تلك المرحلة قيادات عادية بل كانت قيادات فريدة للغاية نشأت في ظروف غاية في التعقيد والتحول والمعاناة. فمنهم من عاصر النكبة وسار معها حتى آخر حياته شاهدا على كل تفاصيلها ومرارتها ومنهم من ترعرع في ظلها، وكلاهما كانوا جزءا من القيم والتحولات السياسية والفكرية التي كانت سائدة في تلك المنطقة حتى انه يمكن القول ان منطقة الشرق الاوسط ومصر بالتحديد كانت خزان الفكر السياسي الجديد الذي عمل على التخلص من الهيمنة العثمانية وبدأ يؤسس للوجود القومي العربي الرافض لكل اشكال التبعية والاستعمار والذي قاد مواجهات لا يمكن حصرها في سبيل ما كانوا يحملونه من افكار على مستوى العمل السياسي او بالأصح ليس على مستوى العمل السياسي فقط بل كانت تلك الفترة عبارة عن سمفونية متكاملة من سياسيين وعسكريين وكتاب وفنانين وأدباء وشعراء وفلاسفة وأصحاب رأي كلهم كانوا جزء من عملية تحول كبرى في العالم العربي وأبناء تجربة فريدة من نوعها أثرت وتأثرت بخطابات ومبادئ لا زالت جزء من الاشتباك الفكري حتى اللحظة. لم يكن من السهل عليهم قبول فكرة التواجد الصهيوني او فكرة دولتين او كلمة سلام، لا يمكن لومهم على الاطلاق ولو ان أحدا قال في نفسه الان الم يكن في كل هؤلاء من هو بعيد النظر؟ الم يكن في كل هؤلاء من يستطيع ان يجري قراءة استراتيجية لعشر او عشرين عاما قادما وفق ما كان سائد في تلك المرحلة من تحولات أفرزت اعتراف بإسرائيل عام 1948
أليس من الواجب في جينه ان نكون منطقيين وواقعيين وقادرين على قراءة ما يمكن ان يحدث بعد سنوات عديدة لو رفضنا التقسيم؟ وبالتالي كان الاوجب في حينه قبول قرارات التقسيم حتى نمنع ما يمكن ان يحصل بعد ذلك لو رفضنا؟
أسئلة مشروعة ولكن لا يمكن القبول في حينه على الاطلاق بقرارات التقسيم وكان الرفض هو الاصح في حينه ولكن للتاريخ ووفق ما أعتقد وما خلص له الرأي عندي بأن اللوم والعتاب والاتهام لا يمكن ولا يصح ان يوجه للفلسطيني فقط لابد من أن يوجه للكل العربي وللمحيط العربي ككل الذي كان شريكا بل وجزئا مهما من عملية الرفض.
لم تكن الحالة العربية السياسية ولا حتى الحالة التي كانت متشابكة ومتداخلة مع فلسطين تسمح على الاطلاق بالتفكير في عرض التقسيم لذلك كانت نتيجة الرفض طبيعية وواجبة وكان عكسها سينتج من المفاهيم في حينه ما لا يطيقه أحد.

هل كانت أوسلو تنازلا
قولا واحدا لا. عن ماذا تنازل الفلسطينيون في أوسلو؟ ولكن السؤال يجب ان يكون ما الذي جناه الفلسطينيون من أوسلو؟ هل أوسلو كانت نهاية المطاف؟ لا. بل كانت بداية الطريق لتأسيس الكيان السياسي الفلسطيني الذي افشلته إسرائيل لأنه ببساطة شديدة اصطدم مع الرواية التوراتية والعقيدة التوراتية المتمثلة بما يطلق عليه (يهودا والسامرة) وهي أراضي الضفة الغربية.
لم يكن اتفاق أوسلو او اتفاق اعلان المبادئ أكثر من اتفاق مرحلي او اتفاق انتقالي الهدف منه الوصول الى الاتفاق على قضايا الحل النهائي المتمثلة باللاجئين والحدود والمياه والمستوطنات والقدس. لذلك يجب التوقف هنا لنسأل سؤال هل من اعترض على اتفاق أوسلو كان مدركا لطبيعة الاتفاق؟ أم كان معترضا على دولة في حدود عام 1967. ثم لماذا قبلت الأطراف الفلسطينية فكرة الدولة الفلسطينية على حدود عام 1967 فيما بعد وأصبحت مطلبا رسميا وشرعيا؟ ألم تكن أوسلو جسرا للدولة؟ فلماذا كانت مرفوضة؟
لم تكن أوسلو تنازلا على الاطلاق وان كانت كذلك فعلى ماذا تنازل الفلسطيني في أوسلو؟ وان كانت أوسلو تهدف للوصول الى الدولة على حدود عام 1967 فلماذا لا نسمي من ارتضى بعد ذلك وطالب بدولة على حدود عام 1967 انه تنازل؟
اريد أن أذكر ان أوسلو كانت وظيفتها الوصول الى الحديث عن قضايا الوضع النهائي التي يعرفها الجميع وللتذكير هي اللاجئين والحدود والمياه والمستوطنات والقدس. حينها فقط وبعد ما يتم ذلك يمكن ان نجيب عن ماذا تنازلنا.
ولأننا لم نتنازل عن شيء قتل ياسر عرفات.
حانت لحظة الحقيقة اللحظة التي كان العالم كله تتجه أبصاره الى كامب ديفيد هناك الى الشخصيات التي اغلق عليها الباب للتفاوض. بل كلينتون الرئيس الأمريكي الأسبق والراعي للعملية التفاوضية والذي كانت لديه رغبة شخصية بأن يتم الاتفاق معه وفي ولايته، وايهود براك رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق الذي كان آخر رموز حزب العمل في إسرائيل وآخر حكام الحزب والشهيد الرمز الخالد ياسر عرفات (أبو عمار).
كانت المفاوضات غاية في الصعوبة منعت الاتصالات والتسريبات وكان البيت الأبيض يبعث بصور المفاوضين للإعلام بعيدا عن التصريحات الرسمية منهم ولكن إسرائيل كالعادة سربت ما أرادت تسريبه فقط والذي شعرت فيه انه ضروري للإعلام الإسرائيلي كذلك فعل بعض أشخاص الوفد الفلسطيني المفاوض الذين كانوا بصحبة الشهيد ياسر عرفات فهم أيضا لهم حق ان يسربوا بعض المعلومات التي كانوا يشعرون بضرورة تسريبها حتى يكون الجمهور الفلسطيني على دراية بما يجري وحتى لا يكون الاعلام الإسرائيلي هو الحصري في المعلومة لأنها كانت معلومات مضللة في كثير من الأحيان.
فشلت مفاوضات كامب ديفيد وتحدث الاعلام عن انهيار المفاوضات تماما وانه لا مجال للوصول الى أي اتفاق وحمل الوفد الفلسطيني المسئولية كاملة عن فشل المفاوضات رغم الوعد الأمريكي الذي قطع للفلسطينيين بأنه حتى لو انهارت المفاوضات وفشلت فأن الولايات المتحدة لن تحمل الفلسطينيين المسئولية وكانت هذه اجابتهم عندما سئلوا في حينه ماذا لو فشلت المفاوضات؟
في ديسمبر من نفس العام 2000 عاد بعض الامل بعد فشل كامب ديفيد وقدمت3 عروض الأول هو العرض الإسرائيلي الذي كان يعطي الفلسطينيين من 80 الى 85 % من أراضي الضفة الغربية
العرض الثاني وكان عرضا شفهيا وهو عرض الرئيس الأمريكي بل كلينتون يقول 94% من الأراضي في الضفة الغربية يمكن الحصول عليها وكان ذلك في كامب ديفيد أما العرض الثالث من الرئيس الأمريكي فكان 96 % من أراضي الضفة الغربية. أما باقي النسبة 4 % فكانت تخضع لما عرف في حينه بتبادل الأراضي الذي أضاف اليه الوفد الفلسطيني عبارة (المساوية في القيمية)
وللتذكير فأن العرض الإسرائيلي الأول كان في اليوم السادس للمفاوضات وكان بحضور الشهيد ياسر عرفات والذي وصل الى 89% من كامل أراضي الضفة الغربية ولكن عند سؤالهم عن البحر الميت وعن القدس أجاب الوفد الإسرائيلي بأن هذا لا يشمل الوصول الى البحر الميت ولا الى أراضي مدينة القدس مما يعني ان الحديث فعليا كان يدور عن 83% فقط. وكان هذه العرض مرفوض تماما.
لا ننسى هنا ما كان واقعا في تلك الفترة من قتال عنيف كانت تخوضه قوات الامن الفلسطينية وقوات حركة فتح ضد الجيش الإسرائيلي بعد اجتياح شارون للمسجد الأقصى والذي يبدو انه كان مدبرا بطريقة تضمن اشعال المنطقة. لم يكن مقبولا ما فعله شارون من تحدي ودفعت قوات الامن الفلسطينية الثمن بتدمير مقراتها الذي كان ممنهجا وكان ينم عن نية وقرار إسرائيل بإنهاء السلطة الفلسطينية التي باتت خطرا حقيقيا على المشروع الصهيوني الذي يقوم على الاستيطان والاحلال.
عانى الطرف الفلسطيني كثيرا من الضغوط وكان اهم هذه الضغوط هو تجفيف الدعم عن السلطة الفلسطينية بما في ذلك التمويل الأوروبي إضافة الى ذلك الضغوط التي كانت تمارسها اسرائيل على الأرض. وحمل الوفد الفلسطيني المسئولية لوحده في فشل المفاوضات.
في ديسمبر 2000 قدم الرئيس الأمريكي بل كلينتون ما أطلق عليه وعرف بمصطلح (محددات الرئيس كلينتون) والتي كانت تقول التالي: إعادة 97% من أراضي الضفة الغربية وسيادة فلسطينية على مدن وقرى القدس والسيادة على الحرم القدسي فوق الأرض للسلطة الفلسطينية وتحت الأرض لإسرائيل (هنا كانت القنبلة). وتبادل أراضي محدود للوصول لنسبة 100% وسلم رسميا هذا العرض في واشنطن لكل من الراحل صائب عريقات مسئول دائرة المفاوضات والاخ محمد دحلان رئيس جهاز الامن الوقائي في حينه.
ومن المهم أيضا الإشارة الى القواعد الخمسة التي كانت إسرائيل حريصة على ان تكون موجودة في الضفة الغربية بشكل دائم ورفض ذلك تماما من الجانب الفلسطيني. قواعد ثابتة أرادت إسرائيل من خلالها المحافظة على تواجدها الأمني والعسكري في أراضي الضفة الغربية ولكن الجانب الفلسطيني قال للجانب الأمريكي ان وجود مثل هذه القواعد سيفتح الباب في المستقبل للكثير من التفسيرات والتدخلات وبالتالي الفكرة كلها مرفوضة وانتهى الامر عند هذا.
المسجد الأقصى مفتاح السلام والحرب
تفاصيل كثيرة وأحداث كثيرة لو أردنا سردها وذكرها فأننا سنحتاج الى الكثير من الوقت والصفحات ولكن ما اود قوله هو ان اتفاق أوسلو لم يكن تنازلا عن شيء واتفاق أوسلو لم يكن الا مرحلة من المراحل التي احتاجتها القيادة الفلسطينية لإعادة تمركزها في ارض الوطن والانطلاق منه الى تمكين نفسها من الحصول على حدود عام 1967 بعاصمتها القدس وضمان التواصل الجغرافي بين غزة والضفة الغربية وان أوسلو ليس فيها أي التزام مطلقا وانه في الساعة واللحظة التي كان من الضروري ان نقدم التزام ما لم يجري تقديم ولا تنازل واحد في الحقوق والثوابت الفلسطينية وهذا كما أشرنا ما قتل ياسر عرفات إضافة الى قصة لا بد من ذكرها فهي أيضا جزء لا يتجزأ وفق ما أرى من عملية قتله واغتياله.
في حوار بين الرئيس الأمريكي بل كلينتون والشهيد ياسر عرفات طلب كلينتون من عرفات تفهم السيطرة الإسرائيلية على (حائط البراق) وان هذا مكان مقدس لليهود. ويكمل كلينتون قوله بأنه رجل (مؤمن) ويعي ان الهيكل كان هناك وانه لا مجال الا للسيطرة الإسرائيلية عليه كما ان طلب إسرائيل بسيطرة تحت المسجد الأقصى طبيعي ومقبول.
كان رد الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات واضحا ولا بس فيه قائلا: أنا أيضا مؤمن ولا يوجد شيء اسمه هيكل وانه لم يكن لليهود تواجد في فلسطين ولا في المسجد الأقصى وان كان هناك شيء من هذا القبيل فهو ليس في الجغرافيا الفلسطينية.
في هذه اللحظة انفجر كل شيء وفي هذه اللحظة باتت الأمور أكثر صعوبة وخطورة بل يمكن القول بان القرار الإسرائيلي بقتل ياسر عرفات قد صدر وكان التحريض على ياسر عرفات شديدا للغاية وبمراجعة بسيطة للأحداث وطريقة ادارتها وما حصل أثناء وبعد نهاية ولاية كلينتون يمكن استخلاص بأن عزل وقتل ياسر عرفات كان عملا اشتركت فيه أطراف عديدة نفذت إسرائيل ما أرادت ورعت الولايات المتحدة الأفعال الإسرائيلية التي كانت على مرأى ومسمع من العالم كله.

اخر الأخبار