لماذا لا يُلصقُ الإرهابُ باليهوديةِ كما يُلصقُ بالإسلام؟
عبد الخالق الجوفي
أمد/ في عالمٍ تتشابكُ فيه خيوطُ السياسةِ والدين تبرزُ مفارقةٌ لافتة.. كيف تبقى الديانة اليهودية بمنأى عن وصمة "الإرهاب" رغم الممارسات العنيفة التي ترتكبها ما تسمى بدولة إسرائيل بحق الفلسطينيين بينما يُلصق الإرهاب بالإسلام كلما ارتكبَ أفرادٌ أو جماعاتٌ متطرفةٌ عنفاً باسمه؟
هذا السؤال يفتح الباب أمام تحليلٍ معمقٍ لسياقاتٍ تاريخيةٍ وسياسيةٍ وإعلاميةٍ معقدةٍ تختلفُ فيها المعاييرُ وتتعددُ فيها الروايات.
الفصل بين اليهودية والصهيونية
التمييزُ الجوهريُ الأولُ يكمنُ في الفصلِ بين اليهوديةِ كدينٍ والصهيونية كحركةٍ سياسية... فمعاداةُ الصهيونيةُ لا تعني معاداةُ اليهودية البتة... كما أن انتقادِ سياساتِ إسرائيل لا يشكل عداءً لليهود، فهذا الفكر ليس مفهوماً نظرياً فحسب بل موقفٌ أخلاقيٌ وسياسيٌ تتبناهُ قطاعاتٌ واسعةٌ من اليهودِ أنفسهم سواءً داخلِ إسرائيل أو خارجها، فتياراتٌ كــ "يهودٌ ضدَ الاحتلال" و"Neturei Karta" تعتبرُ أمثلة حية على رفضِ خلطَ الدينِ بالسياساتِ العنصرية.
السياقُ التاريخيُ والمعاييرُ المزدوجة
ثمةَ عاملٌ آخرَ يتمثلُ في السياقِ التاريخيِ الذي تشكلت فيه الرواية الغربية السائدة، فبعد المحرقةِ النازيةِ نشأ تعاطفٌ عالميٌ مع معاناة اليهود، وتحول هذا التعاطفُ إلى دعمٍ سياسيٍ غير مشروطٍ لإسرائيل في العديدِ من العواصمِ الغربية... هذا الدعمُ تجلى في معاييرٍ مزدوجة في التعاملِ مع الصراعِ حيثُ يُنظرُ إلى العنفِ الإسرائيلي على أنهُ دفاعٌ عن النفسِ بينما يُصنفُ الدفاعُ الفلسطينيُ عن النفسِ بأنه إرهاب وتلك مفارقةٌ عجيبةٌ لكنها واقع ملموس!
سيطرةُ الرواية الإعلامية
السيطرةُ الإسرائيليةُ على الرواية الإعلامية العالميةُ تلعبُ دوراً محورياً، فإسرائيل تمتلكُ آلةً إعلاميةً متطورةً وقدرةً هائلةً على تزييف الحقائقِ وصياغة الخطاب الدوليُ مستفيدةً من علاقاتها الاستراتيجية مع القوى الغربية، بينما يعاني الفلسطينيون من تشويه صورة نضالهم التحرري بعد تحويلهِ في عيونِ الكثيرين إلى إرهاب.
الإسلامُ والاستشراق
في المقابل يعاني الإسلامُ من إرثٍ استشراقيٍ طويلٍ شوهَ صورتهُ وربطهُ بالهمجيةِ والعنف، فبعدَ أحداثِ 11 سبتمبر تم تعميمُ هذهِ الصورة النمطية وربط الإسلامِ بالإرهابِ بشكلٍ مُمنهج، كما أن غيابَ قوةٍ سياسيةٍ تمثلُ وحدة المسلمين وتوضحُ حقيقة دينهم السمحُ ومعتقداتهم التي تدعو إلى التسامحِ ونبذُ العنفِ، وتعدد الجماعات المتطرفة التي ترفعُ شعاراتٍ إسلاميةٍ زائفةٍ بدافع التشويه لا أكثر ساهما في تعزيزِ تلك الصورة.
الخلط بين الدين والسياسة
الخطيرُ في الأمرِ هو الخلطُ المتعمدُ بين المستويينِ الدينيُ والسياسي بالنسبة للدين الإسلامي في حين يتمُ فصلَ الأفعالِ السياسيةِ والعسكريةِ الإسرائيليةِ عن الدينِ اليهوديّ المُحرفُ أصلاً، وربط أفعال الجماعات المتطرفة مباشرة بالإسلام كدين، دون التمييزُ بين سوءِ استخدامِ الدينِ وبين جوهرِ الدينِ نفسهُ.
نحو عدالةٍ في التمثيل
إن الدعوةَ إلى العدالةِ في التمثيلِ الإعلاميِ والسياسيِ ليست تبريراً للعنفِ من أي طرفٍ وإنما هي مناشدةٌ لمعايير موضوعيةٍ في الحكمِ على الأحداث، فكما أن الإسلامَ بريءٌ من أفعالِ المتطرفين فإن اليهوديةَ بريئةٌ من أفعالِ دولة إسرائيل، والنقدُ يجبُ أن يوجهَ حيثُ يجب ... للاحتلال، للاستعمار، للعنف، وليس للأديان البتة.
وحل هذه الإشكالية يتطلبُ وعياً نقدياً قادراً على تفكيكِ الخطابِ السائدِ، وتمييزُ الدينِ عن السياسةِ، ورفض المعاييرِ المزدوجة... عندها فقط يمكننا بناءَ رؤيةٍ أكثرَ إنصافاً للصراعِ تقومُ على مبادئ العدالةِ الدوليةِ وحقوقُ الإنسانِ بعيداً عن وصمِ الأديانِ والثقافات والاساءةِ إليها.
