اختراع "العهد الفلسطيني": كيف أعاد سكوفيلد تفسير الكتاب المقدس لخدمة المشروع الصهيوني

تابعنا على:   13:18 2025-08-24

أحمد فاروق الغمراوي

أمد/ يُعدّ "إنجيل سكوفيلد المرجعي" (Scofield Reference Bible) أداة فكرية محورية ومُسيَّسة كان لها دور مركزي في تشكيل وتغذية الفكر الصهيوني المسيحي الحديث، خاصة داخل العالم البروتستانتي الإنجيلي في الولايات المتحدة. لم يكتفِ هذا العمل بتقديم تفسير لاهوتي، بل عمل على إعادة صياغة الفهم الديني للكتاب المقدس، مما مهّد الطريق لدعم سياسي غير مسبوق لإسرائيل.
1. من هو سايرس إنغرسون سكوفيلد؟
سايرس إنغرسون سكوفيلد (1843–1921) لم يكن مجرد قس عادي، بل كانت شخصيته معقدة ومثيرة للجدل. بعد مسيرة مهنية كمحامٍ وخدمة في الجيش الأمريكي، تحوّل سكوفيلد إلى اللاهوت. سيرة حياته تحمل علامات استفهام، حيث تشير بعض السجلات التاريخية إلى اتهامات بالاحتيال والنصب في فترة شبابه، مما دفع بعض النقاد اللاهوتيين إلى التشكيك في دوافعه واتهامهم له باستغلال الدين لتحقيق أهداف أيديولوجية. هذه الخلفية تضفي بعدًا نقديًا على مشروعه الأكبر.
2. "إنجيل سكوفيلد المرجعي" (1909): التفسير الجديد
نُشرت النسخة الأولى من إنجيل سكوفيلد المرجعي في عام 1909، ولم يكن "إنجيلًا جديدًا" بحد ذاته. بدلًا من ذلك، قام سكوفيلد بوضع حواشٍ تفسيرية وتعليقات لاهوتية مكثفة على نص نسخة الملك جيمس الشهيرة للكتاب المقدس. كانت هذه الحواش هي لبّ العمل، حيث قدمت تفسيرًا منظمًا لفكر "اللاهوت التدبيري" (Dispensationalism).
لاهوت التدبيرية هو نظام لاهوتي يقسّم التاريخ الإنساني إلى عصور أو "تدابير" محددة، يرى كل عصر منها أن الله يدير فيها علاقته بالبشرية بطريقة مختلفة. الأهم من ذلك، أن هذا اللاهوت يفرق بوضوح بين خطة الله لشعب إسرائيل وخطة الله للكنيسة (المسيحيين)، ويعتبر أن وعود الله لإسرائيل لا تزال قائمة ولم تُنقل إلى الكنيسة.
3. العهد الفلسطيني: التأسيس اللاهوتي للصهيونية
من أهم إضافات سكوفيلد وأكثرها تأثيرًا هو تقديمه لمفهوم "العهد الفلسطيني" (The Palestinian Covenant) في تعليقاته على سفر التثنية الإصحاح 30. على عكس التفسيرات التقليدية التي كانت ترى أن العهد مشروط بالطاعة، فسر سكوفيلد هذا العهد على أنه وعد أبدي غير قابل للإلغاء من الله بعودة اليهود إلى أرض فلسطين واستعادتهم لها كجزء من خطة إلهية.
لم يكن هذا التفسير شائعًا أو معتمدًا على نطاق واسع في الفكر اللاهوتي المسيحي قبل سكوفيلد. لقد كان ابتكارًا لاهوتيًا حديثًا صُمّم ليتلاءم مع فكرة أن اليهود ما زالوا "شعب الله المختار" وأن وعود الله لهم بالأرض لم تُلغَ حتى بعد صلب المسيح ورفضهم له. يجدر بالذكر أن الكنائس التقليدية (مثل الكاثوليكية والأرثوذكسية) لم تعرف في تاريخها شيئًا باسم "العهد الفلسطيني"، مما يبرز الطابع المصطنع لهذا التصنيف الجديد.
4. التأثير السياسي والانتشار الواسع
كانت الأفكار التي روّج لها سكوفيلد قوية بما يكفي لتتحول إلى حركة شعبية واسعة الانتشار. ويرجع ذلك إلى عدة عوامل:
آليات التوزيع: تم نشر الإنجيل على نطاق واسع من قبل مطبعة جامعة أكسفورد (Oxford University Press)، مما ضمن وصوله إلى ملايين القراء في الكنائس والمنازل والمعاهد اللاهوتية.
التبسيط: قدم سكوفيلد تفسيرات معقدة للنبوءات الكتابية بطريقة مبسطة ومنظمة، مما جعلها سهلة الفهم للجمهور الإنجيلي العادي.
التأثير السياسي المباشر: مع انتشار هذا الفكر، ترسخت في وعي ملايين الأمريكيين فكرة أن قيام دولة إسرائيل الحديثة هو تحقيق لمعجزة إلهية ونبوءات الكتاب المقدس. هذا الاعتقاد وفّر تبريرًا دينيًا للدعم السياسي والاقتصادي غير المشروط لإسرائيل، وهو ما انعكس في سياسات العديد من الرؤساء الأمريكيين الذين تأثروا بهذه العقيدة، كما أنه ما زال حاضرًا اليوم في جماعات الإنجيليين الصهاينة (Evangelical Zionists) التي تشكل قاعدة انتخابية مهمة لأي رئيس أمريكي.
5. النقد الأكاديمي واللاهوتي
تعرض فكر سكوفيلد ولاهوت التدبيرية لانتقادات واسعة من قبل لاهوتيين من مختلف المذاهب المسيحية، بما في ذلك الكاثوليك والأرثوذكس وحتى بعض البروتستانت. تمحورت الانتقادات حول النقاط التالية:
اليهود كأداة: على الرغم من الدعم الظاهري لليهود، إلا أن لاهوت التدبيرية المتطرف ينظر إليهم في نهاية المطاف كـ"أداة" في الدراما الإلهية. وفقًا لهذا الفكر، فإن مصيرهم النهائي إما اعتناق المسيحية أو الهلاك في معركة هرمجدون الكبرى، مما يخلق تناقضًا جوهريًا مع الصهيونية اليهودية العلمانية التي تسعى لإنشاء دولة ديمقراطية مستقلة.
المقارنة مع التيارات المسيحية الأخرى: يختلف هذا التفسير بشكل جذري عن الموقف التقليدي لكنائس الشرق الأوسط، مثل الكنيسة الأرثوذكسية والكنيسة الكاثوليكية الشرقية. هذه الكنائس ترفض الصهيونية المسيحية لأسباب لاهوتية وتجربتها المباشرة مع الاحتلال، وتتبنى لاهوتًا يرى أن وعود الله قد تحققت في شخص المسيح وداخل الكنيسة، وأن هذه الوعود لم تعد مرتبطة بأرض معينة أو عرق محدد.
مصادر النقد: اتهم نقاد لاهوتيون مثل بنيامين وار فيلد من مدرسة برينستون اللاهوتية في أوائل القرن العشرين، وعلماء لاهوت معاصرون مثل ن. ت. رايت، سكوفيلد بـ"قراءة أيديولوجية" للكتاب المقدس، وفرض رؤية سياسية معينة عليه، بدلًا من تقديم تفسير روحي موضوعي. وقد ربط بعض اللاهوتيين الغربيين المعاصرين، مثل ستيفن سايزر، صراحة بين فكر سكوفيلد وإدامة النزاع في الشرق الأوسط.
خلاصة
وبذلك يظهر أن قراءة سكوفيلد للكتاب المقدس لم تقتصر على المجال الديني، بل ساهمت في إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، عبر شرعنة المشروع الصهيوني مسيحيًا ثم سياسيًا.

اخر الأخبار