العلاقات العامة... سلطة ناعمة لبناء التحالفات
بشار مرشد
أمد/ تُعد العلاقات العامة من الأدوات الحيوية في مؤسسات الدولة الحديثة، فهي ليست مجرد وسيلة اتصال، بل تمثل جسراً حيوياً للتفاهم وبناء الشراكات بين المؤسسة والمجتمع بكافة مكوناته. وفي ظل التغيرات المجتمعية والسياسية المتسارعة، يبرز دور العلاقات العامة كعامل استقرار وتوازن ناعم يعزز من أمن المجتمع ويُسهم في تقدّمه.
تتجاوز العلاقات العامة اليوم الوظائف التقليدية التي كانت محصورة في تنظيم المناسبات أو إصدار البيانات، لتصبح فاعلاً استراتيجياً يعمل على توطيد جسور الثقة مع المواطنين، وصياغة خطاب مؤسساتي يعكس القيم المشتركة، ويؤسس لشراكات قائمة على المصالح المتبادلة والاستجابة للتحديات.
من هذا المنطلق، فإن العلاقات العامة ليست مجرد امتداد للإعلام الرسمي، بل هي سلطة تواصل مستقلة بذاتها، تُعنى ببناء الانطباع طويل الأمد، وتعزيز حضور المؤسسة في الوعي المجتمعي من خلال الإنصات، والمبادرة، والتفاعل المستمر.
كما تلعب العلاقات العامة دوراً محورياً في تعزيز الأمن المجتمعي، ليس فقط عبر تحسين صورة المؤسسة، بل من خلال المساهمة في صناعة بيئة واعية تدرك أهمية الاستقرار كشرط أساسي للنمو والتقدم. فتوعية المواطنين، وتوضيح الإجراءات، وفتح قنوات التفاعل، جميعها مهام تقوم بها العلاقات العامة لتقريب الفجوة بين المواطن والمؤسسة.
غير أن ممارسة هذا الدور تواجه العديد من التحديات والمعيقات، يمكن إجمالها بما يلي:
*حصر العلاقات العامة في مهام بروتوكولية أو إعلامية سطحية، مما يفقدها البُعد الاستراتيجي والتأثير الحقيقي.
*الاعتماد على الأفراد بدلاً من ترسيخ الممارسات في إطار مؤسسي، ما يجعلها عرضة للتغير مع تغيّر الأشخاص.
*تركيز العلاقات العامة على بناء العلاقات مع القطاع الحكومي فقط، في حين أن الشراكات الحقيقية تتطلب انفتاحاً أكبر على المجتمع المدني والقطاع الخاص.
*اختلاط الأدوار بين العلاقات العامة والإعلام الرسمي، مما يحد من استجابة العلاقات العامة لمتطلبات الأمن المجتمعي.
قيام العلاقات العامة في المؤسسات الفرعية بأدوار إعلامية ليست من اختصاصها، مثل إصدار الخطاب الإعلامي الرسمي، في حين أن هذه المهمة يجب أن تبقى ضمن نطاق الإعلام الحكومي المركزي، لضمان وحدة الرسائل وتناسق الخطاب العام.
*غياب صلاحيات تنفيذية مرنة لدى إدارات العلاقات العامة، تحول دون قدرتها على تقديم مبادرات أو مقترحات لبناء الشراكات، ضمن الإطار القانوني والسياسات العامة للمؤسسة.
*انحسار دور العلاقات العامة في مجالات ضيقة (مثل المناسبات أو اللقاءات والمؤتمرات اوالندوات) دون استثمارها في رسم السياسات الاتصالية أو استشراف اتجاهات الجمهور.
وفي الختام:
فإن تمكين العلاقات العامة داخل مؤسسات الدولة، لا سيما ذات الصلة بالأمن المجتمعي، هو استثمار في الاستقرار وبناء الثقة، شرط أن يُعاد تعريف أدوارها، وتُمنح صلاحيات واضحة، ويُنظر إليها كجزء من بنية اتخاذ القرار، وليس كوظيفة ثانوية. فالعلاقات العامة، حين تُفعّل بصورة سليمة، تُصبح أداة تواصل ناعم تصنع الفارق في أوقات الأزمات، وتُمهّد للتنمية في أوقات الاستقرار.
