حين يُسأل الناجون: ماذا قدمتم؟!
د. بلقيس محمد أبو جامع
أمد/
ماذا قدمتم؟!
سؤال يتكرر كطعنةٍ في الذاكرة، كأن الإنسان لا يُحسب إلا بما يُنجزه على الورق أو بما يتركه من آثار تُرى بالعين. لكن من يجرؤ على إنكار أن البقاء نفسه في وجه العاصفة هو أعظم ما يمكن أن يُقدَّم؟ من يجرؤ أن يسأل الناجي من الجحيم: ماذا قدّمت، وهو قد دفع حياته وأحلامه قربانًا ليبقى على قيد الوعي؟
أنا ابنة غزة، ابنة أربعة حروبٍ متعاقبة، وذاكرةٍ مثقلة بما يفوق قدرة الكلمات. من 2008 إلى 2021 عشتُ تحت النار والدخان، وكل حرب كانت تنحت في روحي ندبة جديدة. لكن حرب 2014 كانت الأكثر قسوة؛ حين كنا محاصرين في منزلنا ساعات طويلة قبل مغادرته، كاد والدي يُفقد تحت الركام بعدما قُصف البيت، وتشردنا بعدها إلى مأوى لا يعرف معنى الأمان ولا طعم الكرامة. لم تكن البيوت وحدها ما سقط، بل سقطت معها ثقتنا بأن الغد يمكن أن يكون أرحم.
وفي الحرب الأخيرة 2023، لم نفقد جدرانًا فقط، بل فقدنا أرشيف ذاكرة كاملة. مكتبة والدي، التي جمع فيها خمسة آلاف كتاب من عرق جبينه، كانت من أكبر المكتبات الخاصة في غزة، تحولت إلى رمادٍ بلا أثر. تلك المكتبة لم تكن مجرد كتب، بل كانت امتدادًا لرحلة حياة، ومشروع وعي، وصوتًا يقول إن الثقافة هي شكل آخر من أشكال المقاومة. ومعها خسرنا بيوتنا، مركزنا التعليمي الذي كان يخدم الأطفال والشباب بالأنشطة المختلفة، خسرنا مسجدنا، وشركتنا التي بنيناها حجراً حجراً.
ولم تقتصر الخسارة على الحجر والمعرفة وحدها، بل تسللت إلى أعماق عقولنا وأجسادنا. فكل حرب تترك صدمة نفسية تمحو أجزاء من الذاكرة، وكأن الدماغ يرفض أن يحتفظ بالمشاهد كي ينجو. وجدنا أنفسنا نقاوم لا من أجل البناء فقط، بل من أجل استعادة القدرة على التذكر، على الحفظ، على استرجاع أبسط المعلومات. كأننا في كل مرة نُجبر على البدء من جديد، نصارع كي نمتلك عقولنا مرة أخرى، وكي لا نصبح غرباء حتى عن أنفسنا. إنها حرب خفية موازية للدمار المادي، حرب داخلية مع النسيان والشرخ النفسي، لا يراها أحد لكنها تنهش كل ما تبقى من قوة فينا.
لكن الخسارات لم تتوقف عند الحجر والورق، بل امتدت إلى البشر والوجوه التي كانت تمنح حياتنا معنى. فقدتُ عمي وزوج عمتي وبعضًا من أحفادها، رحلت جدتي التي كانت تمثل الجذر، وفقدت صديقتي وعائلتها كاملة حتى مُحي اسمها من السجل المدني، وكأنها لم تمر يومًا على هذه الأرض. فقدت زملائي وأحلامهم، فقدت تفاصيل يومية كانت تصنع عالمي الصغير.
ثم يأتي السؤال: ماذا قدمت؟
يا أخي، يكفي أنني لم أرَ أهلي منذ سنوات، أعيش في الغربة وهم أحياء، أحتضنهم فقط في أحلامي. عندما أمرض أو أتعب لا أجد يدًا من دمائي قربي، بينما قلوبهم تنبض في مكان آخر. اخترت الغربة لأنني لم أعد أحتمل أن أكون أسيرة مهاترات حماس والفصائل التي حولت حياتنا إلى ساحة صراع لا تنتهي.
ماذا قدّمت؟ قدمت شبابي وذاكرتي وحياتي. دفعت ثمن العبث الذي لم أشارك فيه يومًا. نحن أبناء غزة نحب البناء، نحب التعمير، نحب أن نزرع الحلم ونرعاه. لكن من اختطفوا مصيرنا يقدّسون الخراب أكثر مما يعرفون عن معنى الحرية أو قيمة الإنسان.
أحيانًا أشعر أن مجرد الاستمرار في الحياة هو شكل من أشكال البطولة. أن تنهض كل يوم من بين الأنقاض، أن تحمل أشلاء روحك وتقول: "ما زلت هنا"، هو عطاء يفوق كل مقاييس البشر. نحن لم نختر أن نكون ضحايا، لكننا اخترنا أن نواصل رغم الفقد، أن نتمسك بذاكرة لم يستطع القصف أن يمحوها.
فليكن واضحًا: أن تظل واقفًا في وجه هذا الجحيم، أن تواصل الحلم رغم أنقاض الجسد والروح، أن تزرع الأمل في أرضٍ مشبعة بالدم، هو أعظم ما يمكن أن نقدمه. نحن قدمنا وجودنا ذاته، والوجود حين يصبح فعل تحدٍّ، يغدو أعمق من كل العطاءات الأخرى.
