حكايات من الوجع قصه لاجئ
هاني مصبح
أمد/ الجزء الخامس:-
حياة كلها حروب ومعاناة ونزوح وهجرة وفقدان للأهل والأحبة والأصدقاء وعيش كل أنواع العذابات والفقد والحرمان وتدمير للبيوت والمدارس والشوارع والاحياء بأكملها، فربما يشاهد الجميع الصورة العامة للمشهد على أنها مجرد حرب ولكن نحن نراها اكبر من ذلك بكثير فنحن من يعيش أدق تفاصيلها ومعاناتها وعذاباتها .
تخيل بأنك تجتهد وتكون مثابر ومكافح وتدرس وتجتهد وتنهى دراستك الجامعية وتبني أحلاماً جسام وحين تتخرج من الجامعة تنصدم بواقع مآساوي يضاف إسمك إلى مئات الآلاف ممن سبقوك ممن تدرج أسماؤهم على كشوفات البطالة والعاطلين عن العمل وزد على ذلك الحروب تنهى كل أمل بداخلك بأن غدا سيكون أفضل وتسلب منك أجمل الأشياء تسلب منك بيتك وذكرياتك وتحطم كل حافز فيك وتزرع فى داخلك اليأس والحزن بأنه لا يوجد غدا لأنك تعيش حرب تلو الحرب والركام مازال فى الطرقات ويزداد مع كل حرب جديدة فأنت فى غزة لا معني للحياة أو الإستقرار حرب تجعلك تخسر كل شيء حتى لباسك المفضل تجد نفسك خسرت ذاتك وقلمك الذى تكتب فيه وفى وقت من الأوقات يجف ويعجز عن الوصف والكتابة من هول المشهد الإجرامي والأحداث المتتالية التى تسبق حروف كلماتك وتعجز الأقلام عن حصرها ووصفها ونزوح من مكان إلى مكان إلى مكان إلى مكان ومن خيمة إلى خيمة والموت يلاحقك من السماء فى كل لحظة، وجوع وفقر ونقص بكل شيء لا مياة ولا غذاء ولا دواء وأمراض وأوبئة ولا تستطيع نيل أبسط حقوقك فى الحياة اليومية، فقررت السفر إلى مصر ومنها إلى تركيا ومن تركيا نحو أوروبا وكالعادة الخروج من معبر رفح معاناة لا توصف .
وبعد معاناة طويله لأشهر حتى استطعت الخروج من بوابه رفح وغادرت قطاع غزة بعد محاولات إستمرت لأكثر من خمسة أشهر وأنا أحاول الخروج من المعبر حتى نجح الأمر بالسفر أنا وزوجتي أماني الخطيب تم وصلت تركيا كنت أظن أن الوصول للمهربين صعب ولكننى تفاجأت بأن مكاتب المهربين والهجره فى كل مكان وعلى مرأى من الشرطه والجميع، لدرجه أنك تشاهد مختلف جنسيات العالم المضطهدين بشوارع المدينة والكل يسعي لنفس الهدف، وإذا أوقفت أى شخص منهم بالشارع وسألته كيف يمكنني الذهاب إلى أوروبا ؟
يقول لك هذا مكتب وهناك مكتب وآخر وآخر وآخر، مكاتب فى كل مكان والناس تقف أمامها طابور طويل الناس بالألاف فى تركيا فى أزمير حى باصمني الكل يريد الذهاب إلى أوروبا .
ذهبنا لذلك المكتب يعرف بإسم ( مكتب أبو رشو) وكان المشهد كالتالى مئات الناس فى كلا الإتجاهين وبداخل الممر والسلم المؤدية للطابق الثاني حيث يوجد به المكتب أيضا مئات الناس وازدحام شديد وبصعوبة بالغة يمكنك الوصول لداخل المكتب والكل يزاحم والكل يريد التخلص من المعاناه بالوصول إلى أرض الأحلام " أوروبا".
بالفعل وصلنا وكان هناك موظفين
وسيدة تجلس على مكتب إسمها ياسمين في مكتب أبو رشو ربما تلك الأسماء وهميه ولكنها هكذا تعرف بالمدينه وطلبنا منها التسجيل فى رحله غير شرعية متوجهة نحو أوروبا بالبحر ولأننا فلسطينيين رفضت قالت لا أقبل تسجيل الفلسطيني والسوري، سألتها لماذا يا سيدتي ؟
قالت أنتم تتسببون لنا بالمشاكل والضجة الإعلامية فى حال غرق القارب، حاولت معها كثيراً ولكنها رفضت .
وبعد أيام قليلة عدت لها مجدداً ويبدو أنها كانت فى مزاج حسن، فطلبت منها تسجيلنا وهذه المره نجحت محاولتنا وقبلت أن تضعنا فى رحله بالبحر هى تختارها وتحددها لنا فوافقنا .
وخرجنا فى أول رحله لقد ابلغونا بأن نكون جاهزين وفى الانتظار بالمكان المحدد وكنت قد أحضرت سترات نجاه لي وإلى زوجتي وبعض الطعام والماء وكنا نظن أن الأمر بسيط وفى غاية السهولة وإذ بهم يأخذونا فى سيارات تنقلنا إلى الغابات فى الظلام الدامس وطرق وعرة وأشجار كثيفة مليئة بالزواحف والحشرات وتجمعنا أكثر من 100 إنسان رجالاً ونساء وأطفال
والأجواء باردة والوقت لا يمضى ونجلس على الأغصان على الأرض نباتات شوكية أصابت أقدامنا بجروح كثيرة وأشواك فى ساقينا مازالت مغروسة فيها لم تخرج من أجسادنا وهكذا بقينا من الليل حتى مغيب شمس اليوم التالى تم تأتى سيارة أخرى تعرف بإسم "الدلمش" تتسع إلى 15 شخص بالوضع الطبيعي ولكنهم وضعونا بداخلها 56 شخصا ومغلق من كافة الاتجاهات مع فتحات صغيرة بحجم عقله الأصبع للتنفس ومن خلالها يدخل الهواء وبقينا واقفين هكذا مدة أربعة ساعات وهناك من لم يتحمل ذلك واغمى عليه حتى وصلنا للمكان وهو بالقرب من الشاطيء ووصل المهربين وبصحبتهم الألواح الخشبية والقارب المطاطية البالون المطاطي يعرف بإسم " البلم" وأحضروا الموتور وتم تجميعة وركبنا القارب المطاطي ومشينا فى البحر الهائج لساعات
وقبل الوصول إلى جزيرة ميثاليني بقليل أمسكت بنا قوات الناتو فى عرض البحر وبقينا على سطح القارب جالسين طوال الليل وهم يسيرون في عرض البحر تحسبا لقدوم رحلات أخرى، وفي الصباح تم تسليمنا إلى غفر السواحل التركية وأخذونا إلى السجن كانت تلك هي الرحله الأولي والتجربة الأولي والتى فشلت وانتهت بالسجن، وبدأ فصل من العذاب في داخل السجن .
ومن ضمن الأسباب التى دفعتنا للهجره أنا وزوجتي هو أننى مريض بالسرطان الخبيث ولا يوجد لدى علاج فى قطاع غزة وعندى مرض السكرى وأخذ ثلاث أنواع انسولين وعندى غضروف بالفقرة الثانية والخامسة نتيجه عذابات الحياة ومؤخراً مشاكل فى النظر .
دخلت السجن فى تركيا مدة 26 يوم
للأسف الأتراك لا يحترمون أى قانون إنسانى لم أعد أمتلك أى علاج بعد أربعة أيام بالسجن وبقيت مدة أسبوعين بدون الأنسولين وبدون دواء الغدة الدرقية وأصبح السكرى مرتفع جداً لأن الطعام هو ساندويتش خبز فينو جاف الذي لو ضربت به شخصاً ما لتسبب له بالجروح ذلك هو طعامنا صباحاً وظهرا ومساءا به رقائق الجبنه رقيقه جداً وخيارة صغيرة موزعة على أكثر من ثلاثين ساندويتش .
أصبح السكرى 700 أعلى من معدل قياس جهاز الفحص وتم نقلى إلى المستشفى
وتلقيت العلاج داخل المستشفى تم اعادوني إلى مكان السجن بمفردي حيث تم إخلاء المكان بالكامل بعدما ابلغتهم إدارة المستشفي أنني مريض بالكورونا وبقيت داخل السجن مدة اسبوع اضافي بمفردي وبعدها تم نقلي إلي مكان احتجاز مركزي يعرف بإسم " اليابنجي" ومن هناك بعد معاناة تم الافراج عنى واسوء ما في الأمر أنني خلال تلك الفترة منذ بداية الرحله الأولى حتي الإفراج عني كنت لا أملك شيئا لا ملابس ولا هاتف ولا نقود ولا حتي حذاء وكان لدي حذاء عبارة عن فردتين مختلفتين كان السجناء أطلقوا عليها اسم ( جيت بوث وبلم) تيمناً بوسائل الرحلات البحرية آنذاك وعند خروجي من سجن اليابنجي كنت امشي بالطريق والناس تناظرني كنت غريب الشكل والمنظر
مع العلم لقد أتي أصدقائي على البوابه الرئيسية عده مرات وحاولوا إدخال بعض الطعام والدواء والنقود ولكنهم رفضوا وحاولوا معرفة إطلاق سراحي ليأتوا ويأخذونني وكذلك الأمر إدارة السجن رفضت اخبارهم لذلك اضطررت أن امشي بالطريق بذلك الشكل وذلك الحذاء القديم المختلف حتى وصلت الفندق الذى كنت اتفقت مع زوجتي أن تنتظرنى فيه ودفعت أجرة التاكسي .
تم عدنا للمحاولة الثانية مجدداً من أجل الوصول إلى بلد نجد فيه ذاتنا وكرامتنا ومعاني القيم الانسانية
بالبداية ذهبنا إلى الغابة فى مكان مختلف عن الرحله الأولى وبقينا بداخل الغابة مدة يوم كامل ننام على أغصان الشجر والأرض وعره جداً جداً وهناك افاعي وزواحف والوقت بطيء جداً جداً لا يمضى مهما فعلت والخوف والقلق يخيم على تفكيرنا وصمت مطبق وبرد شديد .
تم إنتقلنا باليوم الثاني فى سياره مثل باص صغير مغلق إسمه (دلمش) مدة اربعة ساعات حتى وجدنا أنفسنا على شاطيء البحر فى مكان مختلف عن الرحله الأولى مكان كله نباتات شوكية ومشينا وسطها مسافة ساعة من الزمن
تم أتى المهربين وجهزوا القارب المطاطية وكان الموج مرتفع نحو مترين وقالوا اصعدوا ولا تخافوا وصعدنا وأنا أركب القارب سقط حذائى فى الماء .
وبعد خمسة ساعات ونصف ونحن نسير بالقارب فى البحر تعطل بنا عدة مرات والمهرب كان على تواصل مع السائق واللوكيشن يوجههم نحو الطريق، أخبرهم بأن الرحله التى سبقتنا تم الإمساك بها وأنه يجب علينا النزول لأقرب جزيره علينا وهى جزيره "نيره أو نيرو"
وزوجتي سقطت بالماء وكانت عميقة لم تقف على الصخور وكادت أن تغرق فأمسكت بها من يديها وسحبتها للأعلى ورميتها على الصخور وقلت لها اسبقينى ولا تنظرين للخلف نهائياً مهما جرى
ورغم أنها مخاطره كبيره وهى الهجرة الغير شرعيه من خلال قوارب الموت وركوب البحر فى قوارب مطاطية ولكننا نجحنا بالوصول وكانت الجزيره شبه خاليه بها عدد قليل من السكان وهى جزيره "نيره أو نيرو " وصلنا منتصف الليل وأنا بسبب فقدان الحذاء فى بدايات الرحله عند الوصول كنت حافى القدمين والجبال عباره عن صخور حاده كنت أمام خيارين لا ثالث لهما إما أن أخاطر واصعد الجبل أو أستسلم ولكنني أخترت صعود الجبل الوعر وتمزقت قدماى مع كل خطوه أخطوها وأجسادنا مبلولة بمياه البحر
وصعدنا تلك الجبال ونركض نحو أى مكان نختبأ فيه والأشواك فى كل مكان حتى امتلأت قدماي بالأشواك التى مازال جزء كبير منها فى قدماي وهى تنزف من كثره الجروح وإختبأنا تحت شجره ونحن نرتجف من البرد والخوف وكنا ننتظر طلوع الشمس بفارغ الصبر بحثاً عن الدفء، كنا قد قمنا بشحن إنترنت دولي وحافظنا على البطارية أن تبقى ممتلئة وغلفنا الموبايلات جيداً والشاحن والباور بانك حتى لا تتعرض للتلف مع مياه البحر
وفي الصباح مع بزوغ الفجر راسلنا المنظمات الإنسانية لإغاثتنا وللأسف يعتذرون ويخبرونا أننا فى مكان بعيد صعب الوصول إلينا وطلبوا منا الإتصال على الشرطه وتسليم أنفسنا ورفضنا ذلك ثم تواصلنا مع منظمه إسمها "إيجا" قالوا لنا وثقوا تواجدكم على الجزيره من خلال فيديو مع إظهار معالم المكان
المتواجدين فيه وكنا بالقرب من كنيسه وبالقرب من قوارب الصيد عليها علم اليونان وقمنا بعمل فيديو وأرسلناه لمنظمة "إيجا" والتى بدورها قامت بنشر الفيديو على صفحتها ولاقى تفاعل إيجابي كبير وللأسف لم يكن لدينا ماء للشرب أو طعام نأكله إلا القليل القليل لا يكفى إلا لساعات قليلة هذا ما تبقى لدينا عند النزول من القارب وصعود الجبل وكنا دخلنا اليوم التالى فقررنا التحرك من مكاننا قبل أن نلقي حتفنا بالموت وهكذا تمت مشاهدتنا من بعض الصيادين الذين أبلغوا الشرطة عن تواجدنا وأتى رجال الشرطه ومن بعيد أشاروا لنا بالإستسلام وذهبنا نحوهم وكانوا للأسف يصرخون بنا وأخذوا الموبايلات منا وكان أحد أفراد المجموعة معنا متأخر عنا قليلاً صديقي "عادل نجم" وكان يصور تواجدنا والشرطه بجانبنا فيديو مدته 36 ثانيه وأرسله لمنظمة إيجا وحين وصل صديقي عادل إلينا أيضا أخذوا منه الموبايل واغلقوا جميع الموبايلات وأخبرنا رجال الشرطه بما فعلنا وأننا قمنا بتوثيق تواجدنا على الجزيره وأخبرهم بأنه أيضا قام بتصويرهم بلباس الشرطه وأرسله إلى منظمة إيجا والشرطى يصرخ فى وجه صديقي عادل ويقول له هل صورتني أنا ؟
قال له نعم ويكرر السؤال ويقول له نعم، وهنا توقف الشرطي عن الصراخ واتصل بضابط آخر وبعد دقائق وصل للمكان وكنت متعباً واعادوا لنا الموبايلات وقالوا لنا سوف نقدم لكم الطعام والشراب وسوف نقدم لك الرعايه الصحيه لأنني كنت متعب جداً كنا مجموعة صغيره والباقى مختبيء فى مكان آخر لا نعلم مكان تواجدهم
واصطحبوني إلى مركز للرعاية الصحية كان به طبيبه وأرادت الطبيبه تسجيل بيانات المريض الذى سوف تقدم له الرعاية الصحية ولكن الشرطه أرادت أن لا تفعل ذلك فرفضت وطلبت منهم الخروج من غرفه العلاج أو أنها ستتصل بالمسئولين وفعلوا ذلك وطلبت الطبيبه أن أخبرها عن أسمي وتاريخ الميلاد وأخرجت الموبايل وفتحت لها صوره جواز السفر الفلسطينى وقامت بتسجيل بياناتي ولاحظت لي مجموعه صور انيقة فى لقاءات علميه وأدبية وسألتنى ما هو عملى فأخبرتها أنني أحب الكتابه للقصص والمقالات وقصائد الشعر وأمور أخرى كثيرة واخبرتها كيف هى الحياه قاسيه جدآ اجبرتنا على الهجرة وحدثتني عن نفسها قليلاً أنها من أصل روسي وتعيش هنا فى اليونان مع زوجها منذ أكثر من 22 عاما كانت لطيفه جدآ وقدمت لي العلاج من الأنسولين وركبت لي المحلول كانت مستويات السكرى مرتفعة جداً وقامت بوضع العلاج على قدمي ولفها بالشاش المعقم
وبقيت بداخل العياده مدة اربعة ساعات حتى انخفض مستوى السكرى وأصبح مقبولاً.
فى تلك الأوقات الشرطه اصطحبت زوجتي وصديقي عادل وبواسطه مكبر الصوت ينادون على الآخرين المختبئين للاستسلام ولم يستجيبوا وفشلت تلك المحاوله الأولى بإقناعهم وبعد ساعتين عادوا مجدداً ونجحت المحاوله الثانية وخرج الجميع وسلموا أنفسهم للشرطه واحضروهم إلى مركز الشرطه وأخذونى من المركز الصحى أيضا إلى مركز الشرطه وبقينا لديهم حتى اليوم التالى .
وفى اليوم التالى بتاريخ 12-9-2022 طلبت منا الشرطه الوقوف على رصيف الميناء لنقلنا إلى جزيره ساموس وكان بالميناء سياح اجانب من مختلف الدول وعندما شاهدوا الأطفال والنساء قدموا لنا الشاي والقهوه والبسكويت والماء وأخذنا بعض الصور التذكاريه معا لقد كانوا لطفاء جداً وحين وصل القارب الكبير صعدنا على متن القارب واصطحبونا إلى رصيف جزيرة ساموس ومن هناك نقلونا بسيارات إلى مركز اللجوء .
وللأسف لم تكن المعامله جيدة وقاموا بوضع النساء والأطفال على جانب والرجال على جانب تم طلبوا منا الدخول إلى كونتينر وبداخل الكونتينر ندخل مجموعه من خمس أفراد من المهاجرين ويجردونا من ملابسنا كيوم ولدتنا أمهاتنا
ثم يأتي الشرطي من امامك أو من خلفك و فجأة دون سابق إنذار يضربنا ضرب عنيف فى الصدر وعلى الوجه وعلى الظهر ويسخرون منا وبعضهم يبصق علينا وكان لسان حالهم يقول لنا لما أتيتم بلادنا فأنتم حثالة لا مكان لكم هنا .
لقد شعرت بالإهانة الكبيره جدآ لقد أهانوا كرامتي وتمنيت الموت فى تلك اللحظة .
فلا يعقل أن أهرب من الظلم والاضطهاد فى بلادي وأذهب إلى بلد كنت أظن أنه بلد يحترم الانسانية وأجد فيه الإهانة والانتهاكات للقوانين وأن أجرد من الملابس واضرب هكذا فبقيت غاضباً وصامتاً لا أتكلم مع أحد ،لقد أغضبني ذلك التصرف كثيراً وكنت أتمني الموت فى تلك اللحظات وبقيت صامتاً والدموع تنهمر من عيوني تم أخذونا إلى مكان خاص بالحجر الصحى وأنا حزين ومنفعل وبسبب الإهانة امتنعت عن تناول الطعام واغمى على وأحضروا الإسعاف وقاموا بنقلي إلى المستشفي وبقيت فيها مدة 12 يوم
وكل شيء بإشراف الطبيبه من غذاء ودواء ورغم ذلك السكرى لا ينخفض نهائياً وفى اليوم الثالث أحضرت الطبيبه مترجم وأخصائيه نفسيه وقالت لي مستويات السكرى لديك مرتفعة جداً رغم العلاج والإشراف الكامل بالمستشفي هل أنت غاضب من شيء ما ؟
أخبرتها ما جرى وكادت أن تبكي الطبيبه عندما علمت بأنهم جردوني من ملابسي وضربوني وأهانوا كرامتي وبدأت تتكلم إلى بكل محبه وقالت أنا أعتذر عما حدث إليك وأرجوك يجب أن تهتم بنفسك فأنت فى خطر لأن مستويات السكرى لديك مرتفعة جداً ويجب أن تحاول أن تساعدنا من أجل سلامتك
حينها بكيت مره أخرى وربما كان ذلك البكاء فيه بعض الراحة .
كنت لا املك إلا ما أرتديه من ملابس خفيفة و هي شرط وبلوزة نصف كم وملابس داخلية ارتديها فقط لا غير وكانت لحيتي قد طولت وانا لست ممن يربي اللحيه ومر الوقت تقريبا أسبوعين دون أن أحلق فكنت متعب نفسيا من ذلك .
عندما زارني سيدتين من أحد المنظمات الإنسانية برفقة الطبيبة وجلسوا لأكثر من ساعة تعرفوا خلالها على جيداً وعلموا أنني أحب كتابة القصص والشعر والمقالات زاد احترامهم لى وقبل المغادرة بقليل أخبروني أنهم سيعودوا باليوم التالي لزيارتي إن كنت اريد شيئا ما فأخبرتهم أنني أحتاج إلى ملابس وشفره حلاقة، وبالفعل فى اليوم التالى أحضروا لى ذلك وهذا ترك فى نفسي أثراً طيباً رغم أن تلك السيدين رأيتهم لمرتين فى حياتي ولكن ما فعلوه من عمل طيب ترك أثراً لا ينسى ابدأ،لذلك أقول لكل إنسان حول العالم إفعل الخير أينما تكون فربما فعلك ينقذ إنسان فنحن لا نعلم ما بداخل الأشخاص المتعبين فربما فعل بسيط بالنسبة لأحدكم هو فعل كبير عند إنسان متعب .
شعور جميل لا يمكن وصفة حين تكون حقا انت متعب وتعاني كثيرا وتختلط عليك الأشياء ألم التعب والمرض وألم الإهانة والذل وألم التجربة القاسية فى رحله الموت عبر قوارب مطاطية وتصبح تفتقد لابسط الأشياء حيث كنت فى الأيام الأولى اشلح ملابسي الساعة 12 ليلا بعد الطابور الأخير ليلاً وأغسل ملابسي بقليل من الصابون الذى يتوفر بصعوبة اغسلها تحت الماء واضعها على المنشر أمام باب الكونتينر الذى أنام فيه وألف نفسي ببطانية كانت الأجواء باردة وأنام حتى الساعة السادسة صباحاً وألبسها وهى مازالت مبللة لم تجف، لقد كان شعور سيء للغاية لا تمتلك أي شيء لا ثياب تلبسها ولا حذاء ولا نقود ولا حتي طعام وتجتمع عليك أيضا كل أصناف التعب والمرض والعذاب فكانت تلك السيدة وما قدمت لى شيء عظيم لا يقدر بثمن بالنسبة لى ومن هنا أرسل لها بجزيل الشكر والتقدير فربما ذات يوم تصلها القصة وتعرف أنها هى التى قصدتها وكتبت عنها هنا .
للأسف لا أعرف اسمها ولكنني ما زلت أتذكر ملامح وجهها و اعرفها من بين نساء الكون حين اراها فهي مطبوعة بين حنايا الروح بفعلها الرائع لها جزيل الشكر والتقدير.
وكل يوم تأتيني الطبيبه وتتابع حالتي الصحيه حتى زال الخطر وبعد اثني عشر يوماً خرجت من المستشفى وعدت إلى كامب اللجوء فى جزيره ساموس الذى هو أشبه بالسجن ومواقف كثيرة لم يكن ذلك الكامب جيداً ومن أسوء أشهر حياتي عشتها بداخل ذلك الكامب فى تلك الجزيرة وهى مصنفة جزيرة عسكرية والكامب فيها أشبه بالمعتقل .
الشرطه فى معظم الأيام تداهم الكامب من الداخل وتعتدى على الشباب وتضربهم
وكان الطعام سيء جداً لا يناسب مرضى السكري والضغط
وكان معظم الوقت مستويات السكري مرتفعة حتى ظهرت لدي مشكلة فى النظر أقلقتني جدا لأنها كانت المره الاولى التي أشعر بها وهي تأثير السكري علي النظر والعيون حيث أنني أصبحت لا أري الكلام العادي فى الكتب وأراه بشكل مشوش وترجيتهم وتوسلت إليهم لعرضي على طبيب العيون وبعد معاناه أخذوني إلى طبيب عيون وأجريت الفحص
وكان ذلك فى شهر ديسمبر من العام 2022 .
وفى داخل الكامب فى جزيرة ساموس خضعت للتحقيق مرتين لمعرفة جنسيه كل واحد منا والأسباب التى دفعته للهجره .
تم بعد ذلك تأتي المقابلة الأخيرة داخل الكامب مع دائره اللجوء والتى بعدها صدر قرار منحي أوراق رد الاقامة بالموافقه وهنا بدأ فصل جديد من المعاناة عندما تم رفع البصمه لدينا من على بوابات الكامب وطلبوا منا المغادره ونحن ليس لدينا أى نقود سوي 130 أورو تلقيناها من إدارة الكامب فى بطاقه ماليه لمرة واحدة حصلنا عليها ولا نعرف أين نذهب فأستعنت بمن أعرفهم من الأصدقاء الذين قاموا بحجز تذاكر الطائره إلى أثينا وحجز شقة فندقية بعد أيام من وصولي أثينا فذهبت إلى فندق ROY وفى هذا الفندق شربت فنجان قهوه ثمنه محبه فلسطين احتراماً وتقديراً لزعيمها الراحل أبو عمار الذى ترك بصمات المحبه فى قلوب أحرار العالم وكان ذلك بإصرار شديد من موظف الاستقبال فى فندق ROY قال يجب أن أرحب بك بعدما علم أننى فلسطيني .
