مأساة إنسانية في عصر الحداثة الهولوكوست الصهيوني تجاه الغزيين والفلسطينيين
عبد الخالق الجوفي
أمد/ ليست المذابح وحدها هي ما يصنع الهولوكوست بل النظام الذي يحوّل القتل إلى سياسة، والتطهير العرقي إلى مشروع دولة، والمعاناة إلى واقع يومي، فإذا كان الهولوكوست النازي قد مثّل أحد أكثر الفصول سواداً في التاريخ الأوروبي؛ فإن الفلسطينيين يعيشون تحت هولوكوست آخر لكن هذه المرة تحت راية الديمقراطية الزائفة والدفاع عن النفس المزعوم، وبغطاءٍ من الصمت الدولي المريب.
تطهيرٌ عرقي وحصارٌ طويل
بدأت المأساةُ الفلسطينية مع النكبة عام 1948م عندما طُرد مئات الآلاف من ديارهم تحت وطأة الميليشيات الصهيونية التي حوّلت الأحلام الاستعمارية إلى واقع دموي، وما يحدث في غزة اليوم هو فصلٌ آخر من فصول هذه المأساةُ حيث تحوّل الحصار إلى أداة بطيئةٍ للقتل الجماعي.
غزة.. تلك القطعة الجغرافية التي تشبه سجناً مفتوحاً، مُحاصرٌ منذ أكثر من عقدينِ حيث يُحرم سكانها من الماء النظيف، والكهرباء، والدواءِ بل وحتى من حقهم في التنقل والعيش... هذا ليس حصاراً عادياً البتة بل أشبهُ بالعقاب الجماعي وعلى مرأى ومسمع القانون الدولي، وهو - برغم ذلك- جريمة حربٍ بكل المعايير والمقاييس لكن الضمير العالمي يبدو وكأنهُ اعتاد على مشهد الأطفال الذين يموتون تحت الأنقاض، أو المرضى الذين يلفظون أنفاسهم الأخيرة على الحواجز العسكرية، ومؤخراً التجويع الممنهج للكيان المحتل المفضي إلى الموت المُحقق!
صناعة الحرب.. وإستراتيجية الموت
في كل عدوانٍ على غزة تُستخدم أحدث الأسلحة الأمريكية الصنع ضد مدنيين عزل، وكأنها مختبرات لاختبار فاعلية القتل... الأرقام تتحدث عن آلاف الشهداءُ منهم الاف الأطفال لكن الخطاب الصهيوني الكاذب يحوّلهم دائماً إلى أضرار جانبية في حربٍ مزعومةٍ ضد الإرهاب.
لكن أي إرهابٍ هذا الذي يتمثلُ بوساطة طفل يحملُ حجراً فيحولُ المشهد إلى أمّاً تبكي على جثة فلذة كبدها؟ أليس الإرهاب الحقيقي هو منظومة عنفٍ منظمةٍ تمارسها عصابةٌ تنتهجُ القتل والتدمير؟ إن استخدام مصطلح الهولوكوست هنا ليس مجازاً بل هو تشبيهٌ دقيقٌ لما يحدث.. فالنظام العنصري الصهيوني هو من يمارس التطهير العرقي تحت غطاءَ الشرعية الدولية.
صمتٌ دوليٌ وازدواجيةٌ أخلاقية
عندما تحدث جرائم ضد الإنسانية في أماكن أخرى ينهض العالم المُنافقُ غاضباً لكن عندما يكون الضحايا فلسطينيين تتحول الكارثة إلى صراعٍ معقد أو حرب دفاعية... هذا منهج الغرب الذي يتباكى على حقوق الإنسان في كل مكان يصمت عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، وكأن الفلسطينيين ليسوا بشراً يستحقون الحياة.
هذه الازدواجية تكشف عن عنصرية عميقة في الضمير العالمي فحياة الفلسطيني لا تساوي حياة الأوروبي أو الأمريكي... إنها نفس العقلية الاستعمارية التي مكّنت من الهولوكوست النازي لكنها اليوم وبأساليب أخرى تلبس ثوب الشرعية الدولية.
متى سيتحرر العالم من عقدة الهولوكوست ومعاداة السامية الزائفة؟
التاريخ لن يسامح المتفرجين على المأساة الفلسطينية التي طالت لعقودٍ طوال والعالم يقف موقف المحايد السلبي... الفلسطينيون لم يختاروا أن يكونوا ضحايا لكنهم يدفعون ثمن كونهم يقفون في طريقِ مشروعٍ استعماريٍ عنصريٍ بغيض ... الهولوكوست الصهيوني ليس مصيراً محتوماً بل جريمة يمكن وقفها إذا انتفض الضمير الإنساني.
السؤال ليس هل سينتصر الفلسطينيون بل متى سيتحرر العالم من عقدة الذنب تجاه اليهود الذين استثمروا الهولوكوست ليعتدوا على الاخرين بل ويسلبوهم حق الحياة والعيش في ارضهم بسلام؟! ومتى سيكف عن دعم جرائم إسرائيل؟ متى سنرى الهولوكوست الفلسطيني كما هو جريمة العصر الحديث التي لا يجوز السكوت عنها؟
