بين وجع الموظف ومخاطر التصعيد: قراءة في تصريحات نقيب المهن الصحية د. أسامة النجار

تابعنا على:   13:52 2025-07-07

محمد التاج

أمد/ أثارت التصريحات الأخيرة التي أدلى بها نقيب المهن الصحية، د. أسامة النجار، ردود فعل متباينة في الشارع الفلسطيني، بعد أن دعا إلى تصعيد الأزمة وصولًا إلى حد "انهيار السلطة الفلسطينية"، معتبرًا أن هذا قد يكون السبيل الوحيد لدفع العالم إلى التدخل وإنهاء معاناة الموظفين.
في مقابلته، عبّر النجار عن حالة احتقان شديد تراكمت على مدى أربع سنوات من التجاهل الحكومي لمعاناة الموظفين، وخاصة في القطاع الصحي، الذين تحملوا أعباءً كبيرة في ظل الجائحة، وتحت ضغط الأزمات الاقتصادية المتواصلة.
قال النجار بوضوح: "أربع سنوات والموظف يعاني ويتحمل مسؤوليات لا يتحملها أحد... لا شركات الماء والكهرباء ولا الجامعات تتحمل المسؤولية، بل الموظف وحده، وبالتالي أنا مع تصعيد الأزمة إلى حد انهيار السلطة الفلسطينية، لا مانع من ذلك."
قراءة بين السطور: صوت الموظف المقهور
في الجوهر، تعكس هذه التصريحات ألمًا حقيقيًا ووجعًا إنسانيًا. الموظف الحكومي بات الحلقة الأضعف في المعادلة الفلسطينية، يدفع فاتورة احتجاز المقاصة والانقسام السياسي، وانعدام الشفافية المالية، وسوء التخطيط. الحكومي.
فمن جهة، تُحصّل مؤسسات القطاع الخاص المختلفة مستحقاتها كاملة، بينما يتأخر راتب الموظف أو يُدفع منقوصًا. ومن جهة أخرى، يُطلب من هذا الموظف أن يلتزم بعمله وأخلاقياته ومسؤوليته الوطنية بلا أي ضمانات.
لكن، هل التصعيد حتى "الانهيار" هو الحل؟
في هذا الجزء، تنقلب الرسالة من مطلب نقابي عادل إلى خطاب سياسي محفوف بالمخاطر.
إن التلويح بانهيار السلطة قد يبدو مغريًا كتعبير احتجاجي، لكنه ليس خيارًا مسؤولًا ولا مضمون النتائج. فالفوضى التي قد تلي هذا الانهيار لا تعني بالضرورة أن "العالم سيتدخل ويحل الأزمة"، بل قد تفتح الباب أمام مزيد من التفكك والهيمنة الإسرائيلية المباشرة، وتُقحم الموظف نفسه في صراعات هو في غنى عنها.
والأخطر من ذلك، أن مثل هذا الخطاب قد يُستخدم من قبل الاحتلال لتبرير خطواته نحو تفكيك المؤسسات الفلسطينية، وإعادة فرض "الإدارة المدنية" كبديل قسري، وهو السيناريو الذي لطالما حذّرت منه القوى الوطنية.
بين "الفوضى الخلاقة" والحكمة النقابية
استخدام تعبير "الفوضى الخلاقة" – الوارد على لسان النجار – في السياق الفلسطيني يبدو غير موفق. فالمصطلح نفسه ارتبط بمشاريع أمريكية لتفكيك أنظمة عربية، ولم يكن يومًا أداة لتحرير أو تحسين أوضاع الناس.
بدلًا من ذلك، المطلوب من النقابات أن تبني ضغطًا منظمًا وتحالفًا وطنيًا شعبيًا واسعًا لدفع السلطة نحو الاستجابة، لا نحو الانهيار.
خاتمة
إن الموظف الفلسطيني يستحق حياة كريمة وعدالة وظيفية ومالية، ولا أحد يُنكر أحقية مطالبه. لكن لا ينبغي أن تتحول هذه المطالب إلى دعوة لتفكيك ما تبقى من مؤسسات الوطن. فالسلطة ما تزال حائط الصد الأخير في وجه المشروع الاحتلالي الأشمل.
المطلوب اليوم ليس خطاب الغضب فقط، بل قيادة نقابية شجاعة ولكن حكيمة، تعرف متى تصرخ ومتى تتفاوض، ومتى تواجه، ومتى تحتكم إلى المصلحة العامة.

اخر الأخبار