الانقسام وصناعة الفوضى في قطاع غزة !
د. منصور أبو كريّم
أمد/ لم يكن الانقسام الفلسطيني الذي حدث حين سيطرة حركة حماس بالقوة العسكرية على قطاع غزة صيف عام 2007، مجرد حدث عابر في التاريخ الحديث للشعب الفلسطيني، بل كان حدثًا تاريخيًا ترك تداعياته المستمرة على مجل الحالة الفلسطينية، حيث مهد هذا الحدث الفاصل للعديد من التطورات السياسية والأمنية والإنسانية، وألقى بظلاله على مجمل الأوضاع في الأراضي الفلسطينية.
الانقسام الفلسطيني وما تراتب عليه من ضعف المناعة الفلسطينية في مواجهة تحديات المرحلة، وخاصة في مواجهة تنكر إسرائيل لأسس التسوية السياسية وعملية السلام، وانتهاجها سياسة الاستيطان والتهويد ومصادرة الأراضي في الضفة الغربية، ومحاصرة غزة وعزلها عن محيطها الفلسطيني، وتعزيز سلطة حركة حماس ودعمها بالمال من أجل تقويض مسار التسوية وتدمير مبدأ حل الدولتين، جعل الساحة السياسية الفلسطينية تدخل في مرحلة الفوضى العارمة.
خلال اللقاءات والمنتديات والمؤتمرات التي كانت تعقد في غزة وخارجها لمناقشة خطورة استمرار الانقسام الفلسطيني، كنا نحذر من استمرار الانقسام كأداة للهدم والتدمير الذاتي من قبل إسرائيل، حيث وظفت إسرائيل ونجحت في إشغال الفلسطينيين بأنفسهم، وتركيز مشهد الإعلام العربي والدولي على حجم المأساة الإنسانية المتزايدة في غزة، كما أنها نجحت في توظيف الانقسام لتدمير ما تبقى من قضية شعب ناضل من اجل الحرية والعدالة والمساواة بدون نتاج حقيقي حتى الآن، مما جعل الجميع يستشعر خطر استمرار هذا الوضع، ويؤكد أن أمام غزة مستقبل مظلم من الضياع والتشتت؛ إذا استمر هذا الوضع الشاذ!
كما دخلت الفوضى في غزة مرحلة جديدة بعد السابع من أكتوبر، فمع اندلاع المواجهة العسكرية المحتدمة منذ شهور بين الفصائل الفلسطينية والجيش الإسرائيلي على أثر عملية السابع، ارتفعت وتيرة الفوضى في قطاع غزة، نتيجة انهيار المنظومة الأمنية لسلطة حركة حماس نتيجة الضربات الإسرائيلية وغياب البديل الوطني القادر على ملأ الفراغ، فما يحدث من فوضى عارمة يشدها قطاع غزة، لم يكن فقط نتاج سوء التقدير لعملية السابع من أكتوبر، رغن أنه وفر للاحتلال الفرصة التاريخية للانقضاض ليس فقط على غزة بل للانقضاض على الكل الفلسطيني، بل كان نتاج لمجموعة من السياسات والإجراءات صمت عنها الجميع لاعتبارات حزبية ومصالحيه خطفت غزة بعيدًا عن محيطها الفلسطيني والوطني، وساهمت في وصول الوضع في غزة إلى مرحلة الانهيار.
من قاد غزة إلى هذه المرحلة المأساوية من الضياع والتشتت والتسول على أبواب القوات الدولية والإسرائيلية بجب أن يتحمل لمسؤولية التاريخية والسياسية والأخلاقية عن هذه الكارثة المستمرة، كما أن القوى السياسية التي ساندت هذا المخطط سواء بالمشاركة الفعلية أو عبر الصمت القاتل تتحمل جزء من هذه المسؤولية. فما يحدث في غزة من كارثة سياسية وإنسانية لم تكنّ وليدة الحظة بل هي تراكم سنوات الانقسام، تراكم سياسات خطفت غزة بعيدًا عن حاضنتها السياسية والجغرافية، خطفت غزة لصالح مشروع حزبي ضيق، ومشروع إقليمي لم يعد له وجود.
الآن وبفضل هذه السياسات والسكوت عنها من قبل الجميع، وصلت غزة لمرحلة الضياع، حالة فوضى شبه عامة، انتشار المجاعة والجوع والفقر، بينما القوات إسرائيلية أصبحت تسيطر على 77% من مجمل أراضي قطاع غزة، وجود قوات أمريكية تحت غطاء انساني في القطاع، اضافة لانتشار الأمراض والأوبئة، وسوء التغذية بين الأطفال وكبار السن، وزيادة معدلات الوفيات الطبيعية، ناهيك عن انتشار مظاهر البلطجة والعصابات والاعتداءات على الأملاك العامة الخاصة، والقتل خارج القانون مما يهدد بتفكك النسيج الاجتماعي وانهيار منظومة القيم.
كل هذا البعث يحدث ومازالت حركة حماس تراهن على استمرار حكمها المنفرد في قطاع غزة، وتحاول من خلال إطالة زمن الحرب البحث عن مكان لها في هذا لمشهد العبثي، لقد أثبتت الفوضى العامة التي تشهدها كل مناطق قطاع غزة بحثًا عن رغيف الخبز، أهمية انهاء الانقسام الفلسطيني وتوحيد المؤسسات الإدارية والأمنية، بما يضمن وجود سلطة قانون مستقلة تعمل على حماية السلم الأهلي ومساعدة المنظمات الدولية على التوزيع العادل للمساعدات،
إن مواجهة انتشار مظاهر الفوضى العامة في غزة، في ظل نقص الموارد الأساسية والحصار الإسرائيلي المشدد وانتشار المجاعة، بات يتطلب سرعة تشكيل لجان حماية أهلية وطنية، كمرحلة انتقالية لحين عودة السلطة الفلسطينية الكيان الإداري والسياسي المعترف به عربيًا ودوليا لتولي مقاليد الأمور في قطاع، من أجل العمل سريعًا على عودة الهدوء والاستقرار المفقود في غزة منذ شهور، وحماية قوافل المساعدات وحفظ السلم الأهلي في ظل انتشار هذه الفوضى العارمة!
