الأمن ومآسي غزة: الفيتو الأمريكي وتآكل شرعية المؤسسات الدولية

تابعنا على:   14:40 2025-06-04

محمد ناجي الهميس

أمد/ قراءة في فشل المجتمع الدولي في إنصاف الضحايا

منذ اندلاع العدوان المتكرر على غزة، ظل مشهد الدم والدمار يتكرر، دون أن يرافقه ردع حقيقي أو موقف دولي حازم. وبينما تسيل دماء الأطفال والنساء تحت ركام البيوت، يستمر مجلس الأمن في مشهده المعتاد: شجب، قلق، ثم فيتو أمريكي يسقط أي مشروع قرار يدعو لوقف إطلاق النار أو محاسبة الاحتلال.

هذا النمط المتكرر كشف عن أزمة عميقة في بنية النظام الدولي، حيث تتحول العدالة إلى ورقة سياسية، وحقوق الإنسان إلى شعارات انتقائية، والمظلومية الفلسطينية إلى ملف مزمن يُدار لا ليُحل.

◐ غزة تحت النار… والعالم يتفرج

ما شهدته غزة في الأعوام الأخيرة – وآخرها المجازر المفتوحة التي بدأت منذ أكتوبر 2023 – لم يكن مجرد تصعيد عسكري، بل جريمة مستمرة بحجم الكارثة الإنسانية، راح ضحيتها آلاف المدنيين، وسط انهيار تام للمنظومة الصحية والخدمية.

ورغم كل التقارير الحقوقية الدولية، منظمات كـهيومن رايتس ووتش والعفو الدولية، التي وصفت ممارسات الاحتلال بأنها ترقى إلى جرائم حرب، إلا أن مجلس الأمن لم يتمكن من إصدار قرار ملزم لحماية المدنيين.

والسبب؟ الفيتو الأمريكي.

◐ الفيتو الأمريكي… درع دائم للاحتلال

منذ عقود، استخدمت الولايات المتحدة حق النقض "الفيتو" عشرات المرات لإجهاض أي قرار يُدين "إسرائيل"، سواء تعلق الأمر بالاستيطان، أو استخدام القوة المفرطة، أو تهويد القدس.

الفيتو الأمريكي لا يعكس فقط دعمًا استراتيجيًا لحليفها الإسرائيلي، بل يُظهر كيف يمكن لقوة واحدة أن تعطل الإرادة الدولية برمتها، وتحول مبادئ الأمم المتحدة إلى نصوص مجمدة.

النتيجة؟ حصانة مطلقة للاحتلال، وتأكيد عملي أن المظلومين في هذا العالم – إن لم يكونوا ضمن تحالفات الكبار – فلا صوت لهم، ولا نجدة.

◐ تآكل شرعية المؤسسات الدولية

ما يحدث لا يُمثل فقط إخفاقًا سياسيًا، بل انهيارًا في مصداقية النظام العالمي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية بزعم منع تكرار المآسي.

فمجلس الأمن عاجز.

و محكمة الجنايات الدولية مسيسة ومشلولة عندما يتعلق الأمر بـ"إسرائيل".

اما الأمم المتحدة فتُصدر تقارير لا يتجاوز صداها صفحات الإنترنت.

والأسوأ: أن الصمت الدولي – أو التواطؤ – يغذي شعورًا عالميًا بأن القانون الدولي لا يُطبق إلا على الضعفاء، وأن هناك "ضحايا من الدرجة الثانية".

◐ أصوات الشعوب مقابل صمت الحكومات

ورغم خذلان الحكومات، فإن الشعوب – في العالم العربي والغربي – أظهرت وعيًا متزايدًا بالقضية الفلسطينية، وموجات التضامن الشعبي تجاوزت الحكومات.

الاحتجاجات، مقاطعات المنتجات، والضغوط على البرلمانات الوطنية، تعكس أن الرواية الفلسطينية تجد طريقها، ولو ببطء، إلى الضمير العالمي.
لكن التحدي يكمن في ترجمة هذا الزخم إلى تأثير سياسي ودبلوماسي حقيقي.

◐ أخيرا : غزة تكشفنا جميعًا

غزة ليست مجرد عنوان أزمة، بل مرآة تكشف أخلاقيات النظام العالمي، ودرجة نفاق الخطاب السياسي الغربي، وتهافت المؤسسات التي يفترض أنها حامية للسلام.

الفيتو الأمريكي ليس فقط حجبًا لقرار أممي، بل هو سقوط رمزي لقيم العدالة.
ومع كل شهيد يُنتشل من تحت الركام، يتآكل ما تبقى من شرعية لنظام دولي لم يعد يملك لا الهيبة ولا الضمير.

قد تُغلق الأبواب الرسمية، لكن الوعي الشعبي المتنامي، وحراك الشعوب، هو اليوم الأمل الأخير لبقاء القضية الفلسطينية حيّة، حتى تنكسر منظومة الإفلات من العقاب.

اخر الأخبار