القضية الفلسطينية بين خياري المقاومة المسلحة والمقاومة السلمية: نحو استراتيجية وطنية مستقلة وفاعلة ..!
د. عبد الرحيم جاموس
أمد/ تمر القضية الفلسطينية اليوم بمنعطف بالغ الخطورة، يكاد يعصف بما تبقى من أمل في تحقيق الحرية والاستقلال، وسط تراجع غير مسبوق في البيئة الإقليمية والدولية، واستمرار انقسام داخلي، واستفراد إسرائيلي ممنهج بالشعب الفلسطيني، خاصة بعد العدوان الإبادي على قطاع غزة.
هذا الواقع يفرض إعادة قراءة التجربة النضالية الفلسطينية في ضوء خياري المقاومة المسلحة والمقاومة السلمية، بما لهما وما عليهما، تمهيدًا للتفكير في استراتيجية ثالثة، تستعيد الفاعلية وتضمن الاستقلالية.
المقاومة المسلحة: كسر الردع أم تمكين العدو...؟!
ظلت المقاومة المسلحة تمثل أحد الأعمدة الأساسية للنضال الفلسطيني منذ انطلاق الثورة، وقد شهدت تصعيدًا نوعيًا بعد انتفاضة الأقصى، وبلغت ذروتها في عملية "طوفان الأقصى" التي دشنتها كتائب القسام والجهاد الإسلامي في السابع من أكتوبر 2023.
العملية أربكت المنظومة الأمنية الإسرائيلية، وأحرجت حلفاءها، وأعادت الزخم للقضية الفلسطينية في الخطاب الإعلامي والسياسي الدولي.
إلا أن الرد الإسرائيلي جاء كارثيًا، وأفضى إلى حرب إبادة شاملة في قطاع غزة، تخللتها مجازر وتهجير قسري ودمار عمراني واجتماعي واقتصادي غير مسبوق.
ورغم أن المقاومة المسلحة سجّلت حضورًا رمزيًا وسياسيًا على مستوى كسر صورة الردع الإسرائيلي، وكشف زيف "القبة الحديدية"، وتحريك ضمير الشارع العالمي، فإن نتائجها الفعلية ميدانيًا جاءت عكسية. فقد شكّلت ذريعة مثالية للتيار اليميني الصهيوني المتطرف في حكومة الاحتلال لتنفيذ سياسات التهجير الجماعي، وتوسيع الاستيطان، وشن حرب إبادة غير مسبوقة، طالما جرى التحضير لها في الأروقة السياسية والأمنية الإسرائيلية، بانتظار التوقيت المناسب.
المقاومة السلمية: واقعية سياسية في وجه اختلال موازين القوى....على الطرف الآخر، اعتمدت القيادة الفلسطينية الرسمية، ممثلة بالرئيس محمود عباس، خيار المقاومة السلمية والدبلوماسية، في إطار ما يمكن تسميته بـ"استراتيجية الضعيف العاقل". انطلقت هذه المقاربة من الاعتراف بواقع اختلال موازين القوى لصالح الاحتلال، وسعت إلى استثمار القانون الدولي، والمجتمع الدولي، كحاضن بديل. تجلّت ملامحها في حملات الانضمام للمؤسسات الدولية، والتوجه للمحاكم، وخطاب "احمونا" الشهير في الأمم المتحدة.
ورغم أن هذا الخيار لم يُفضِ إلى ردع الاحتلال، ولم يوقف تمدده الاستيطاني، أو تهويد القدس، أو الاعتداءات اليومية في الضفة، إلا أنه لا يمكن القول إنه تماهى مع الاحتلال أو تبنّى منطقه.
بل بقي هذا الخيار بمنأى عن الانخراط في سياسات الاحتلال، محاولًا تفادي الاصطدام المباشر، وتعزيز الحضور الفلسطيني على الساحة الدولية، والحفاظ على الحد الأدنى من البقاء الوطني، في ظل غياب توازن القوى.
ومع ذلك، فإن هذا الخيار ظل عاجزًا عن كبح جماح المشروع الصهيوني، وفشل في ترجمة إنجازاته الدبلوماسية إلى مكاسب ميدانية حقيقية، وعانى من فقدان التأثير الشعبي، بسبب ضعف أدواته الميدانية، واستمرار الانقسام، وانسداد أفق التسوية.
خياران... ومأزق وطني مشترك...!
إن التجربة التاريخية تشير بوضوح إلى أن كلا الخيارين، رغم اختلاف وسائلهما، لم ينجحا في تحقيق الأهداف الوطنية العليا.
فالمقاومة المسلحة، وإن حملت شجاعة الفعل وكرامة التحدي، أُفرغت من فعاليتها في ظل غياب الحاضنة الإقليمية والدولية المناسبة، وتحوّلت إلى ممر لتبرير الحصار والعقاب الجماعي.
أما المقاومة السلمية، فرغم مشروعيتها وواقعيتها السياسية، ظلت تفتقر إلى الأدوات التنفيذية التي تجعل منها مسارًا مُثمرًا على الأرض.
بل الأخطر، أن استمرار الرهان المنفرد على أي من الخيارين، دون رؤية وطنية جامعة، جعل النضال الفلسطيني ساحة مفتوحة للتجاذب الإقليمي والتوظيف السياسي، في خدمة أجندات لا تعبّر بالضرورة عن المصلحة الوطنية العليا.
نحو خيار وطني ثالث: الاستقلال عن المحاور والارتقاء بالنضال....!
في ضوء هذا الفشل المزدوج، تبرز الحاجة إلى بلورة استراتيجية فلسطينية جديدة، لا تلغي أدوات الماضي، لكنها تُعيد صياغتها ضمن رؤية وطنية مستقلة ومرنة، تستلهم تجربة الثورة الفلسطينية التاريخية، وتتعلم من عثراتها.
هذه الاستراتيجية لا تقوم فقط على المزج التكتيكي بين الكفاح الشعبي والسياسي، بل تنبع من مشروع تحرري متكامل، يقوم على:
استقلال القرار الوطني عن المحاور الإقليمية المتنافسة والمستغِلة للقضية.
إعادة بناء الوحدة الوطنية عبر منظمة تحرير جامعة وديمقراطية.
دمج الوسائل النضالية بطريقة خلاقة، تجمع بين المقاومة المدنية، والعصيان المدني، والمقاطعة، والتحرك القانوني، والدبلوماسية الهجومية، ضمن بيئة دولية باتت أكثر انكشافًا لنفاقها، ولكن أكثر قابلية للضغط الجماهيري.
إعادة تعريف المرحلة بوصفها مرحلة تعزيز الصمود وحماية الوجود، لا التحرير الكامل، مع الاحتفاظ بالحق الكامل للمقاومة بأشكالها المشروعة، وفق مبدأ التوقيت السياسي والأخلاقي المناسب.
بين العجز والتوظيف... خيار العقل والكرامة.....
لم تعد القضية الفلسطينية تتحمل مزيدًا من التمزق أو الارتهان أو الخيارات غير المدروسة. المطلوب اليوم ليس الانتصار الوهمي، ولا التكيف البارد، بل مشروع وطني تحرري مستقل، قادر على دمج طاقات الشعب الفلسطيني، وتحويلها إلى قوة استراتيجية ضاغطة، داخل فلسطين وخارجها.
الخيار الثالث ليس ترفًا، بل ضرورة تاريخية، تعيد الاعتبار للنضال الفلسطيني، وتمنحه من جديد معناه الأخلاقي والوطني والإنساني، بعيدًا عن الارتهان والعبثية. إنه خيار العقل المقاوم، والمقاومة العاقلة.
