منابر مأجورة وأقلام مرتزقة.. الإعلام حين يتحول إلى جبهة حرب
محمد ناجي الهميس
أمد/ في زمن اختلطت فيه الحقائق بالأكاذيب، وتحول بعض الإعلاميين إلى جنود مأجورين لا يختلفون عن مرتزقة السلاح، لم يعد المشاهد أو القارئ يثق بما يُبث أو يُكتب. فحين يفقد الإعلام ضميره، ويتحول من مهنة لنقل الحقيقة إلى أداة لطمسها، تصبح الكلمة أخطر من الرصاصة، والعنوان المضلل أكثر فتكًا من القنبلة.
لم تعد كثير من القنوات والصحف ومواقع الإنترنت منابر تنقل الحدث أو تسلط الضوء على المظلوم، بل أصبحت جزءًا من آلة سياسية ضخمة تدير الصراعات، تلمّع مجرمًا، وتُجرّم مظلومًا، وتزرع الشك، وتُطفئ وهج القضايا العادلة، خصوصًا في عالمنا العربي، حيث باتت بعض المنصات تدور في فلك أجندات ممولة، لا تهدف إلا لتفتيت الصف، وتمييع المواقف، وتزييف الوعي.
ترى الأقلام المرتزقة تكتب بوقاحة مدهشة لتبرير الاحتلال، أو مهاجمة المقاومة، أو تشويه كل صوت حر، وكأنها لا تعرف وجع الشعوب، ولا تميز بين الحق والباطل. يُباع الضمير على عتبات الفضائيات، وتُشترى المواقف بالكراسي والصفقات، حتى بات القارئ في حيرة: أهذه حقيقة أم سيناريو كتب في غرفة سوداء؟
إن أخطر ما يمكن أن تفعله منابر مأجورة هو أنها تنقل الحرب من أرض المعركة إلى داخل العقول. تخلق أعداءً وهميين، وتصنع أبطالًا مزيفين، وتدفع الناس إلى التصفيق للجلاد والتشكيك في الضحية. هذه ليست مجرد دعاية، بل حرب ناعمة، تسللت إلى عقولنا تحت مسمى "التحليل" و"التغطية" و"الرأي والرأي الآخر".
لكن، لا يزال هناك من يصون أمانة الكلمة، ويكتب من أجل الحقيقة لا من أجل العمولات. لا يزال هناك إعلاميون شرفاء يدفعون الثمن غاليًا من حريتهم، بل أحيانًا من حياتهم، لأنهم رفضوا أن يكونوا سماسرة ألم، أو شهود زور.
إن الإعلام ليس ساحة للارتزاق، بل ميدان للوعي. ومن يحوّله إلى أداة للابتزاز والتضليل، فهو شريك في الجريمة. فالطلقة قد تُميت جسدًا، أما الكذبة المنظمة فتُميت وطنًا بأكمله.
احذر من منبر باع نفسه، فصوته أخطر من صاروخ، وأقلامه تحفر في ذاكرة الشعوب أكاذيب تبقى لعقود.
