موعدنا ليس اليوم
أمد/ تُحب أمي أن أكتب عن الأمل، أن تحمل كلماتي دوماً أملاً للقارئ، أن يستمد منها قوةً أحياناً لا أملكها. لكن، مهما بلغ ضعفي ويأسي، لا أستطيع أبداً أن أفقد الأمل في وطني.
أنا أتخيل وطناً حراً، وأؤمن به. أعرف أن الاحتلال زائل، وأعرف أن العودة قادمة، وأعرف أيضاً أن لكل ذلك ثمناً باهظاً!
لكنني لم أكن أعلم أن غزة ستحمل هذا الألم وحدها، وأنها ستدفع الثمن بنفسها، وأنها ستكون وحيدةً، متروكةً، ليس فقط أمام الاحتلال، بل أمام العالم أجمع.
اليوم، أفهم المعنى الحقيقي لكلمات الشاعر توفيق زياد: "وقفتُ بوجه ظلامي يتيماً، عارياً، حافي".
غنَّيناها كثيراً، وتأثرنا بها كثيراً، لكنني لم أشعر بكل كلمة منها إلا في هذه الحرب. لم يكن الاحتلال الظالمَ الأكبر في هذه الرواية، بل كان هذا العالم المخادع الذي نعيش فيه. وأكثر الحقائق إيلاماً اليوم أنني جزءٌ من هذا الزمان الحقير، الذي ترك مستشفى يُقصف، وأطفالاً تُقطع رؤوسهم، وأجساداً تُحرق، ولم يفعل شيئاً سوى الصمت!
كيف يمكن للإنسان أن يتجرد من كل معاني إنسانيته، ويتحول إلى وحشٍ لا يمتّ للبشرية بصلة؟ بل حتى لا يشبه الحيوانات، لأن الحيوانات تحركها غرائزها لحماية أجناسها. أما الإنسان اليوم، فقد تجرد من إنسانيته، وتنصل من كل ما يربطه بالإنسان الآخر.
وهذا أكثر ما يصدمنا اليوم. اعتدنا دائماً في غزة أن نواجه وحدنا، واعتدنا الصمت في كل حروبنا، لكننا لم نعرف الموت كما عرفناه منذ أكثر من عام.
لم أعتد أبداً على صوت الطائرات، ولا على قذائف الدبابات، ولا على انفجاراتٍ تترك الركام والرماد فوق رؤوسنا. أنا أخاف، ما زلتُ أخاف. أخاف كل يومٍ من هذه الأصوات، وأرتجف، ويقودني جسدي للهروب لا إرادياً. تحركني غريزة الخوف دون أن أفكر، وعقلي الباطن يتعايش مع فكرة الهرب اليوم، لكنني لا أعرف أين أذهب!
أين يمكن أن يذهب شخصٌ تحاصره الطائرات والدبابات والبوارج البحرية، وطائرات الاستطلاع، وأجهزة التنصت، وكاميرات في كل مكان، وحواجز على الحدود، وطريقٌ للبيت مسدود؟
كيف نَهْرُب من الموت؟ نحن لا نعرف كيف، لكننا نهرب. وفي كل مرة نجونا، نجونا صدفةً، نجونا قَدَراً، لأن في أعمارنا لا يزال هناك عمرٌ يُعاش. لكن… هل نريد أن نعيش حقًا؟
لا أعرف شكل الحياة المنتظَر، ولا لون الأيام القادمة، لكنني أعرف أنني لا أريد أن أعيش حياةً في الحرب. لا طاقة لي لأتحمل يوماً جديداً من الخوف. ليس استسلاماً ولا ضعفاً، لكنه وصفٌ لما أشعر به: أنا مُنهَكة. منهكة من أن أنام خائفة، منهكة من عالم ظالم.
بقدر إيماني بالحرية وبالوطن، وبقدر يقيني بأن موعد النصر قادمٌ في يومٍ من الأيام، لا أعرف إن كنا نحن جيل التحرير حقاً. ربما في زمنٍ آخر، حين يسمع العالم، وحين تتحرك الضفة والقدس أولاً قبل العالم، وحين يصحو الإنسان ويعود إنساناً، وحين تلتئم جراح أهل غزة، وحين نكف عن البكاء على مدينتنا… ربما حينها، حين تزدهر الدنيا أكثر، وحين تكون هناك يدٌ تُسندنا حين نسقط، وحين لا نُترك وحدنا… ربما حينها سيكون زمن التحرير.
