الميليشيات التىّ أسست دولاً كبرى - صعود مرحلة التيكنودولار
مروان صباح
أمد/ الإنتقاد الواضح واللافت ، والذي يرتبط بشكل وثيق بين القضايا السياسية والاجتماعية والمعيشية في حدودها الدنيا ، وما تمثله من تبعيات اقتصادية أولاً ، فهو في الأساس ليس بالأمر الجديد على يوميات المجتمع العربي ، بل هو يحتل مساحة واسعة أو بالأحرى يتصدر الحديث في أي نقاش آخر ، وبعد مائة عام من ظهور الدولة الوطنية العربية الحديثة ، لم يتمكن العرب من بناء دول بالمعنى الحقيقي والحديث لمفهوم الدولة المعاصرة ، وهذا يدفعنا إلى القول بصراحة 🫥 إنه لا يمكن إدراج الدول العربية ضمن الدول المتقدمة في العالم ، تماماً 👌 كما يُقال في التعبير الشعبي وتحديداً المتداول بين النساء حول الرجل “نصف كم - هذا الشخص ليس محسوباً على الرجال” ، وفي الواقع ، كانت محاولة الإسلاميين في السودان قبل 36 عاماً مبكرة ، لكنها سجلت إخفاقاً كبيراً بسبب تبني المخلوع البشير نهجاً استبدادياً وفاسداً على غرار أسلافه ، ولأن في نهاية المطاف من وظائف الشعوب المتعددة هي التحرك ضمن إطار سياسي للانتفاض على السلطة الفاسدة أو حتى مواجهة التحديات القاسية بأشكال مختلفة ، والتي قد تؤدي أحياناً إلى تطوير الإنتفاضة الشعبية إلى ثورة منظمة بالتسليح ، بضبط 🤝 كما حدث في سوريا ، إلا أن مع هذا النجاح الواسع التى حققته الثورة يظل النظام السياسي الجديد يحتاج بعد كل هذا إلى إمتلاك فنون إدارية قادرة على إنقاذ الإنسان من نفسه ، وهو ما يعني قدرة النظام إخراج الشعب من حالة الفساد وإخراج نفسه من حالة الميليشيوية إلى عتبة بناء دولة مستدامة ومتجددة في الحداثة .
وهذا الأمر ليس جديداً أو طارئاً ، فمنذ قرون طويلة كان المفكرون 🤔 يبحثون عن تمكين المجتمعات من الحضارة المدنية والسياسية والإجتماعية والثقافية والإقتصادية ، وهو الإنتقال من الإجتماع القبلي إلى النظام التشريعي والقانوني وتداول السلطة ، تماماً 👌كما حدث مع قبائل أوروبا ، وخاصة في الجهة الشرقية لنهر “الراين” ، وربما يجهل الكثيرون بأن من يُروج اليوم حول تأخر العرب في بناء الدولة الحديثة كان أيضاً الترويج ذاته شائعاً بين الرومان والجرمان (الألمان) 🇩🇪 ، لذا كانت هناك 👉 علاقة تاريخية خاصة بين الألمان والعرب وتحديداً في وحدة الشعور بالاضطهاد المشترك ، مما يفسر تعاطف وانحياز هتلر والفلاسفة الألمان للقضايا العربية ، وكذلك بعض الفرنسيين 🇫🇷 والإيطاليين 🇮🇹 والبلجيكيين 🇧🇪 ، فقد كان هؤلاء وغيرهم يُصنفون من قبل الرومان على أنهم من بلاد “الغال” القبائلية ، بل بالرجوع إلى التاريخ ، سيكتشف المراجع بأن القبائل الأوروبية قد أنتصرت في العديد من الحروب على الحضارة الرومانية القديمة ، لدرجة أنهم كانوا وراء سقوطها ودخول الأوروبيّين في ما يُسمى هناك 👉 بالعصور المظلمة ، لكنهم فشلوا في تحقيق الدولة الحديثة وظلوا يعانون من الفساد والإستبداد والتخلف حتى جاءت الثورات المدنية التي أسقطت دولة القبائل ، وبنى الثوار الدول المدنية التي نشهدها اليوم ، وهو حلم كان يراود أغلب شعوب أوروبا ، وتحقق أخيراً 👍 ومن الملفت أيضاً بأن الشعب الألماني 🇩🇪 الذي كان وراء سقوط الدولة المدنية الرومانية ، هو نفسه قرر تحمل مسؤولية تحقيق حلم الأوروبيين في بناء دولة حديثة ومتطورة .
بالطبع ، هذه خلاصة 📜 تاريخية صادرة عن علماء التاريخ والاجتماع 🔬 ، لكنها ليست بعيدة عن أن تكون موثقة كنموذج جديد لا يتخلى عن عتيقهُ ، بل قد تكون تصحيحاً للحاضر دون أن يفّلت المصحح العصا 🦯بين الماضي والحاضر ، ومع ذلك ، لم تكن البداية من عند الثنائي بسمارك - مارشال ، بل التاريخ يعتبرهما بأنهما لم يكونا سوى شخصين سعيَا لاستكمال عملية إسترداد الإمبراطورية الرومانية المقدسة ذات الشعار العقابي ، تماماً 👌كما يفعل اليوم بوتين في محاولته السيطرة على أوكرانيا 🇺🇦 أو جزء منها لإسترداد إمبراطورية سانت بطرسبرغ التى حملت نفس شعار الأولى ، وهي إمبراطورية كانت تعادل قوتها الإمبراطوريات الكبرى في التاريخ مثل الإمبراطورية المغولية - البريطانية - الرومانية القديمة - والإسلامية ، وعندما سقطت برلين في الحرب العالمية الثانية ، وتعمد المنتصرون 🇺🇸🇷🇺 تقسيمها إلى دولتين بهدف ضمان عدم محاولة الألمان 🇩🇪 مجددًا جمع قواهم ، كانوا في الواقع يجتهدون طوال الوقت بصبر على جرحهم العميق حتى تمكنوا من جمع جغرافيتهم ، ثم ذهبوا إلى أبعد من ذلك بتأسيس الإتحاد الأوروبي 🇪🇺 الذي وحد القرار السياسي والعملة وحطم الحدود بين الشعوب ، ومن ثم جمعت برلين شعوب الناطقة باللغة الألمانية في دولة واحدة☝️، وهذا ينطبق اليوم على دمشق ، حيث يعتبر أهلها أنفسهم أصحاب “دولة الخلافة الثانية” التي امتدّت في أربع رياح الأرض 🌍 ، وهي محاولة إقليمية ودولية مشابهة لتلك التىّ جرت في ألمانيا 🇩🇪 عدة مرات ، واليوم يعاد التخطيط لتطبيقها في سوريا ، فمنذ سقوط الدولة العثمانية ، كانت هناك 👉 جهود كبيرة لتقسيم سوريا ، وقد أثبت السوريون أنهم قادرون على خوض إشتباكات مسلحة وسياسية متعددة مع دول إقليمية ودولية ، من منطلق أن سوريا تمتلك القدرة على حشد القوى البشرية في ظل القوى الرئيسية في العالم مثل أوروبا (ألمانيا - فرنسا 🇫🇷-بريطاني 🇬🇧 )، وروسيا 🇷🇺 ، والولايات المتحدة 🇺🇸 ، والصين 🇨🇳، لكن لا توجد دولة واحدة☝️منهم تستطيع الإنتصار في أي حرب بمفردها ، بل لا بد من عقد تحالفات بينهما لتحقق ذلك ، وهذا ما جعل صدام حسين 🇮🇶 أن ينظر إلى واشنطن منفردة باستخفاف ، حتى وإن كانت تُصنف بالقوة الكونية ، لأنه كان يعتقد🤔أنها لن تتمكن من توفير التحالف العسكري ضده ، والصحيح أن واشنطن تمتلك أكبر أسطول جوي عسكري دون منازع ، لكن الصحيح الآخر هو أن البنتاغون يعاني في الجيش من نقص بالمشاة البرية ، وهو ما جعل الروس والأمريكيين وحتى الإسرائيليين 🇮🇱 ، يفقدون القدرة على مواصلة عملياتهم في أفغانستان والعراق 🇮🇶 وسوريا وغزة 🇵🇸 ، ببساطة 🥴 ، لأن التكلفة البرية كبيرة حتى لو كان سلاح الطيران ✈️ قد دمر البلدان ، وهذا هو الأمر الذي راهنت عليه المعارضة السورية في إدلب عندما ذهبوا وعقدوا تهدئة مع الروس 🇷🇺 ، وفي هذه اللحظة ، إرتكب الرئيس بوتين خطأه التاريخي بشن حرب على أوكرانيا 🇺🇦 ، معتقداً بأن البيت الأبيض سيتعامل مع تحركه العسكري هناك 👉 كما حدث في سوريا ، بالطبع ، كانت دمشق التاريخية تنظر 👀 إلى ذلك على أن التدخل الروسي في أوكرانيا سيكون سبباً في خلاصها وبالفعل 🫤🤫 .
في العديد من القضايا ، تظهر الخلافات كجزء طبيعي من الواقع ، بل في كثير من الأحيان لا يكون التوافق هو المطلوب ، حتى أن المشاكسة أو السجال قد يؤديان إلى أفضل النتائج ، وهذا حدث في التاريخ البشري ، حيث يمكن لأي شخص يرغب بالإطلاع بشكل جدي ومعمق على الظواهر الإجتماعية الجادة والعشوائية ، بأن يفعل ذلك بسهولة ، إذ أن الأمر فعلياً متاحاً ، وفي الحقيقة 😱 ، لقد تم تحقيق 🤨 البراءة أو النجاة أو التطهير الذاتي ، وتخلص الشعب من النظام السابق ، لكن ماذا 🤬 عن عمليات القتل التي يقوم بها فلول النظام السابق؟ وهل السوريون أمام نظام براغماتي بامتياز ، يحسب كل خطوة يخطوها ، أم أنهم لا يمكنهم الوثوق به أبداً؟ ، بالطبع ، الأمر يتعلق بنتائج المرحلة القادمة ، وهذه السطور قد تبشر السوريين بمستقبل واعداً ، وهذا ليس مجرد حديث فارغاً 🫥 ، بل هو تقييم دقيق لطبيعة سلوك النظام الحالي ، والذي يبدو قادراً على تقديم نفسه كـ “ممثل لجميع الأطياف والانتماءات”، حتى لو كان من يسكن القصر الجمهوري في قاسيون من المؤدلجين ، بالفعل ، يتمتع النظام الحالي بمهارات متعددة ، وفي مقدمتها قدرته على إقناع الآخرين بأنه إلى جانب أفكارهم ، حتى لو كانوا من الليبراليين أو المدنيين أو الجهاديين أو الإسلاميين أو القوميين أو رجال الأعمال الذين باتوا يعتقدون بأن النظام القائم يتبنى “الرأسمالية الإسلامية” أكثر من الفكر الاقتصادي التقليدي لآدم سميث وديفيد هيوم ، فهو يسير على خطاهما ، يسعى لتفعيل الفوائد العامة التي تولد الحريات🗽، وكلما وسع النظام خيارات المواطن السوري ، سينعكس ذلك على رفاهيته ، مما سيعود بالنفع على الإقتصاد الوطني ، بالطبع ، شرط إذا إنتهجت الدولة طريق دولة القانون ، فإن ذلك سيكون كفيلاً بعدم استنزاف مواردها كما حدث مع النظام السابق الذي أهدر مقومات مؤسساته في مراقبة الناس والسيطرة عليهم وقمعهم طوال فترة حكمه ، وطالما أن الكيانات المضادة لنظام الأسد نشأت بسبب فقدان المجتمع الإستقرار والعدالة الإجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية ، فإنها مطالبة اليوم بأن تكون قوة وطنية من أجل 🙌 تحقيق 🤨 الإستقرار وبناء الدولة التىّ يتطلع إليها الشعب بمختلف أطيافه ، وليس الصحيح بأن تشكل هذه الكيانات تحدياً مركزيّاً لإرساء أسس الإستقرار ، بالطبع كما حدث مع “قسد” وغيرها ، وهذا ليس أمراً بسيطاً ، لأن الحقيقة تشير إلى أن هذه الكيانات تزدهر في ظل الفوضى التىّ تضعف الدولة ، لكن في المقابل ، هناك 👉 حقيقة أخرى: ، فعندما تتخلى الميليشيات عن السلاح وتندمج في مؤسسات الدولة ، فإنها بذلك تمهد الطريق لبناء دولة قوية قادرة على تحقيق أهداف الثورة ، وهذا فعلاً 😟 حدث في أوروبا 🇪🇺 بالقرون الماضية ، حيث أن أصل كلمة “ميليشيا” مشتق من اللغة اللاتينية ، وتعني “المقاتل”. حتى أن الميليشيات أزدهرت في الولايات المتحدة 🇺🇸 خلال مقاومة الإحتلال البريطاني 🇬🇧 ، وكانت السبب الرئيسي وراء القوة العسكرية في بلاد الغرب ، خاصة مع التحولات الكبرى في الإحترافية العسكرية بعد الحرب العالمية الثانية ، وفي العصر الحديث ايضاً شهد العالم ظهور ثلاثة ميليشيات ذات تأثير كبير وواسع النطاق : الثورة الفلسطينية 🇵🇸 ، وحزب الله في لبنان 🇱🇧 ، وحركة حماس ، جميعهم كانوا يضاهون الجيوش النظامية أو كانوا في كثير من الأحيان القوة الأكبر من الجيوش المحلية ، بل في الحقبة الأولى للرئيس الأمريكي ترامب شهدت فاعلية كبيرة لإعادة بناء الميليشيات ، وعلى الرغم من إنتقادات واشنطن للميليشيات الفلسطينية أو اللبنانية ، فإن ميليشيا “حراس القسم” في أمريكا 🇺🇸 تلقت الدعم من طاقم ترمب ، والذي سمح لها بإقتناء الأسلحة ودعت إلى حقها في حكم البلاد بإعتبارها الوريث الشرعي لمن حمل السلاح في وجه الإحتلال البريطاني .
هناك 👉 حقيقة 😳 تواصل الحضور في عالم يعج بالفساد والظلم والإخفاقات ، لكن في المقابل ، هناك 👈 معادلة بسيطة 💁، إذن ، لا غرابة في تقديم نموذج سياسي وتحويله إلى سؤال بهذا الشكل : أليست الميليشيات المسلحة جزءاً أساسياً من التاريخ الأمريكي 🇺🇸 " الخاص والغرب عموماً ، حيث أنها متأصلة ومترسخة؟ ، ونحن وهنا 👈 أمام تجربة حقيقية 😱 بالفعل 🫨🥴 ، فهذه الدولة التىّ حررتها الميليشيات من الإحتلال ، باتت عملتها " الدولار " ضرورية لكل إنسان على هذا الكوكب 🪐🌍 ، سواء كان مسافراً 🧳 للسياحة أو للتعلم 🏫 👩🏫 أو للتجارة أو للعلاج وغيرهم من العديد من الأنشطة الأخرى ، فالدولار 💵 هو العملة المقبولة عالمياً ، بل هو الإحتياطي المركزي للعالم وليس فقط للأمريكيين .
إذنً لم تكن عولمة الدولار الأمريكي نتيجة إتفاق دولي أو مرسوم صادر من البيت الأبيض 🏡 🇺🇸 ، ولكن في المقابل ، كان الإقتصاد الأمريكي هو السبب في هيمنة الدولار على العالم ، فقد جعل هذا الإقتصاد كل إنسان يضع ثقته به دون تفكير 🧐 والأجيال المتعاقبة ورثت الثقة بشكل عمياني😎، كما أن إنفتاح الأسواق المالية وسهولة تحويل العملة واستخدامها كعملة ربط في البنوك بفوائد 🏦 ، كانت جميعها الخطوات المهمة وراء عولمته ، بالطبع ، المرء لا 🙅 يتجاهل مراحل التطوير وتحديداً تطور العمليات المصرفية وبشكل ملحوظ وسريع ، حتى أن الكثير من الناس لا يعلمون بأن الأمريكيين لا يطبعون الدولار للاستخدام الداخلي بقدر أنهم حريصون على طباعته للإستخدام الخارجي ، لأن ببساطة 🥴 الأمريكيون منذ الثمانينيات من القرن الماضي تخلوا عن التعامل بالدولار الورقي وتحولوا إلى المنظومة المالية “للبطاقات الإئتمانية ”، واليوم تطورت هذه المنظومة وتستمر في التطور ، وبالطبع ، لم يكن الإقتصاد الإنتاجي وحده وراء قوة الدولار وعولمته ، بل أيضًا قوة الأفكار الأمريكية المستمرة هي التىّ تجعل منه أكثر تأثيراً وأقوى من أي عملة أخرى ، فعلى سبيل المثال ، السينما 🎥🍿 والمنظومة المالية 🏦 وغيرها من المجالات جعلت من نيويورك مركزاً عالمياً يصعب منافسته ، وهذا ينطبق جزئياً على دول مثل تركيا 🇹🇷 ، ففي الفترة الأخيرة شهدت أسواقها نمواً ملحوظاً في الإنتاجات التركية ، لكن منتجات مثل الطائرات المسيرة ✈️ جعلت من تركيا 🇹🇷 دولة ذات قيمة اقتصاديّة ومالية في العالم 🌍، بالإضافة إلى ذلك ، كان لهذا تأثير إيجابي على عملتها .
في الواقع ، لعب نظام القروض الدولية للدول النامية دوراً أساسياً ومحورياً في تعزيز إنتشار الدولار الأمريكي💲🇺🇸 على مستوى العالم 🌍، تماماً 🤝 كما أن أمريكا هي المصّدر الأول للأسلحة ولديها أكبر احتياطي من الذهب ، فقد 😞 دفعت💰الدول المتحاربة سابقاً ثمن الأسلحة من ذهب بلدانها ، والذي أفقدهم معيار عملتهم المحلية المرتبط بالذهب ، ليتم استبداله بالدولار ، وبعد ذلّك ، ظهرت فترة البترودولار ، واليوم يشهد العالم صعود “التيكنودولار”. والسلام 🙋♂️
