حتى نسترد  قيمة العقل.وقيمة من يحث عليه ويعمل على نضجه وكماله..

تابعنا على:   16:21 2025-02-21

محمد المحسن

أمد/ "العقل منبع العلم  ومطلعه و أساسه".( الإمام حامد الغزالي )

 

"إن العقل نور،بل هو أولى باسم النور من النور المعروف المحسوس، وعند إشراق نور الحكمة يصير الإنسان مبصرا بالفعل بعد أن كان مبصرا بالقوة." ( المفكر الإسلامي المصري محمد عمارة)

 

كتب أدونيس ذات يوم فقال :

الحاجة،اليوم،ماسّةٌ أكثر من أيّ وقتٍ مضى إلى أن نرفض على نحوٍ قاطعٍ،كلّ ما يحوّل الإنسان إلى مجرّد وسيلة أو أداةٍ من أجل تحقيق أهدافٍ أيّاً كانت-سواء تمثّلت في المقدّس أو الدين،في الوطن أو الدولة،في التقدّم أو العلم.

الإنسان هو الغاية..كلّ شيء من أجله.الدين نفسُه وُجد من أجل الإنسان.

لكن انظروا هذا العالم العربيّ: الإنسان هو الأدنى قيمةً بين جميع الأشياء.

أما أنا فأقول :

قيمة الانسان الحقيقية هي بمبادئه..بقيمه..بأخلاقه..بتصرفاته..  بأحلامه..بقيمة الدروس التي يتعلمها من الدنيا.هذه القيمة التي لا تُقاس ولا تُبدل ولا تُقيّم ولا تتدهور ولا تهلك ولا يدور عليها الزمن. هذه القيمة التي ما إن يمتلكها الانسان حتى يصبح فوق الرضا وفوق السعادة..

و في معرض حديث القرآن عن النشأة الأولى للوجود الإنساني يسوق الله الناس جميعًا سوقًا واحدًا؛إذ يشملهم بضمير جمع واحد،يوحدهم في أصل النشأة ومراحل النشوء على السواء: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا) (غافر: 67).فالناس مخلوقون من تراب،مُزِج بالماء فكان طينًا يجسد المبدأ المادي للإنسان الأول: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَاب) (فاطر: 11)

 قضاء الله بتكريم جنس البشر لحظة إيجادهم،تكريمًا من حيث الصورة والمعنى،وقضى لهم بأسباب الرفعة والفضل قضاء مبرمًا: (وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) (الإسراء: 70)، والتفضيل إنما كان بالعقل الذي هو عمدة التكليف،وبه يعرف الإنسان ربه ويفهم كلامه،ويوصل إلى نعيمه وتصديق رسله،إلا أنه لما لم ينهض بكل المراد من العبد بعثت الرسل وأنزلت الكتب.

وكل ما أعنيه في هذا السياق،هو أن العقل جوهر إنسانية الإنسان و رفه و امتيازه و تفضيله على غيره من المخلوقات،يقول تعالى: (و لقد كرمنا بني آدم و حملناهم في البر و البحر،ورزقناهم من الطيبات،و فضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) ( الإسراء: 70)

وهو أيضا ( العقل ) الركيزة الأساسية في التقدم الإنساني  والحضاري،فأي خطوة خطاها الإنسان في هذا المضمار،هي نتاج النشاط الذهني و التفكير الدؤوب المنبثق عن نعمة العقل التي تكرم الله بها على عباده،فالعقل كما يقول الغزالي "منبع العلم  ومطلعه و أساسه".

إن العقل هو ميزان التعادل في الإنسان،وسر الله فيه،به يتعرف الإنسان إلى خالقه،و به يعرف نفسه،وييعرف مبدأه و منتهاه،  ويعرف مكانه في الوجود الذي يحيا فيه..

و قد جعل الإسلام العقل و الاقتناع بالدليل و البرهان شرطا للإيمان بالله سبحانه و تعالى،فلقد تميز الإسلام و انفرد بين سائر الأديان و المعتقدات،باستخدامه العقل للدلالة على إثبات الخالق عز و جل،فهو لم يفرض عقائده على الناس فرضا،بل ناقش  وعرض،و أثار الفكر و التفكير،و طالب بالبحث و التقصي،و نبهت الآيات القرآنية على غرس عقيدة الإيمان على أسس عقلية فطرية، و ذلك كي يقتنع المتشكك،و يطمئن الباحث،إلى أن العقائد التي دعا إليها الإسلام،قائمة على أساس من العلم،و حتى حينما دعا الإسلام إلى الإيمان بالله سبحانه و تعالى و وحدانيته،كانت دعوته قائمة على طريق المنطق و العقل و المناقشة.

وهنا أختم :إن أول خطوة علينا خطوها،وأول معركة علينا خوضها،هي معركة استرداد قيمة العقل وقيمة من يحث عليه ويعمل على نضجه وكماله،وبه سنكون قد وضعنا اللبنة الأولى لعودة الإنسان بقيمته وقيمه،وبكل ما تحمل كلمة إنسان من إنسان..

اللهم قد بلغت اللهم فاشهد.. 

 

 

اخر الأخبار