عيون مفتوحة على وسعها
صالح عوض
أمد/ لابد من فتح الأعين على وسعها لنرى المشهد كله بكل أبعاده وبتناسباته؟ فمن كان بعينيه قذى فليطهرهما من الهلامات و خدع الأوهام، يحدثنا التاريخ أنه في مثل هذه اللحظات الصعبة القاسية المزلزلة في التاريخ البشري تغشى أعين الكثيرين سحب الضباب وترتعد قلوبهم فيستبدلوا الأعداء بالأصدقاء فرغم ان المحاكم الدولية تطارد العدو وتفضح جرائمه وتصدر قرارات اعتقال لقادته المجرمين، الا أن المنهزمين يلقون باللائمة على شعبنا ومقاومته ويصبحون جزءا في حرب العدو النفسية ضد الروح المعنوية لشعبهم ومقاومته ولا يرون الا ما يريهم العدو ووسائل إعلام حليفة له في "العربية والحدث والحرة والسكاي نيوز" وسواها من رواية باطلة خبيثة لطالما حذرنا منها القرآن الكريم.. ومن هنا ينبغي أن لا يلتفت المرابطون الى نقيق المستنقعات وصكيك أسنان المرعوبين.
تصويب الرؤية:
ماذا يقول شلال الدم المتدفق في غزة منذ ثلاثة عشر شهرا ونصف الشهر؟.. ماذا تقول بيوت قطاع غزة المقصوفة عبر الأشهر الطويلة؟ ماذا تقول الأشلاء تحت الأنقاض؟ ماذا يقول الجوع الذي فرض على أهل قطاع غزة؟ وماذا يقول دم الشهداء في لبنان واليمن وبماذا تنطق جراح المصابين؟ انها بكل وضوح تقول: هذه جريمة الجاني وما اقترفت يداه متواصلة منذ عشرات السنين، إن النظام الدولي كله المؤسس على الجريمة يشن عدوانه على شعبنا بحرب إبادة جامعية لجعل فلسطين بلا شعب، إن المجرمين لم ينتظروا مبررات ليطردونا من أرضنا في 1948 ولم يبحثوا عن تفسيرات لتبرير ما فعلوا خلال عشرات السنين ضد شعبنا في المنافي والمخيمات والمدن، ولكن الملحمة القاسية الرهيبة التي يتصدى لها شعب فلسطين واحرار الأمة معه تقول:ان الفصل الأقسى من العدوان انكسر، وان اندفاعة المجرمين بلغت منتهاها، وان الرعب يمتد الى كل اجزاء العدو..انتحارا ورحيلا ومستشفيات نفسية وهروب من الخدمة ومواجهات من النقطة صفر.. وان فلسطين تفتخر بأن لها شعب وأمة بمثل هذا العنفوان والصمود والاقدام.. دماؤنا وجراحنا وبيوتنا تقول: ان فلسطين تستحق كل ما قدمنا ولا تنازل للعدو عن جزء منها ولن ينتصر العدو علينا ولن ننهزم مهما تعددت ألوان الجريمة، وتعلن فينا أن البديل هو الذل والهوان والتنازل عن فلسطين.. هكذا لابد أن نصوب الرؤية فلا نقع أسارى التوجيه الاعلامي الصهيوني ولواحقه..
نحن لا ندعي أننا لا نتألم ولا نتوجع.. هذا صحيح ولكن مهما كانت أحجام الالام ونحن نفقد أعز أهلنا وخاصتهم وخيرة ابناء شعبنا لن نغير البوصلة لاننا لو فعلنا لن نكون أهلا لفلسطين ولن نكون المخصصين بالرباط فيها ثم لن ننجو من المذابح والمهالك.. ومن جهة اخرى فان يوميات الملحمة تظهر انكسار العدو وانهزامه وألمه وعجزه وفشله في تحقيق أي هدف استراتيجي.. هكذا يقول في الكيان الصهيوني قادة ومفكرون وسياسيون وامنيون.. ومع ذلك فالمنهزمون فينا أغمضوا اعينهم وصموا اذانهم على انفس رعديدة وقلوب نخرة.. هكذا نكون قد حددنا البوصلة وهكذا نكون قد وجهنا الرؤية الى الصواب بعيدا عن الازاحة عن وجهتها الحقيقية..
العدو في ورطة تاريخية:
الوضع الدولي ليس لديه متسع جنون الكيان الصهيوني وحتى الحلفاء تتفسخ جبهتهم ويضطرون للتراجع عن سياسات تقليدية لهم وبعضهم لن يجد فرصة الانشغال بأمن الكيان الصهيوني ..لقد انقلب السحر على الساحر.. وهاهي احدى ادوات النظام الدولي التي صنعت ذات يوم لخدمة الحركة الصهيونية تنقلب عليه فلا يمكن النظر لما نتج عن محكمة العدل الدولية كانه لاشيء.. ان الكيان الصهيوني يسحب الان الى المحاكم وتصدر بحق قادته مذكرات اعتقال ويعلن كبار اصدقائه استعدادهم لتنفيذ القرار.. وفي مجلس الامن يصطف العالم كله في جبهة وامريكا في الجبهة المضادة وتتوسع رقعة الرفض السياسي العالمي على المستوى الشعبي والرسمي ضد العدوان الصهيوني كما لم يحصل في أي مرحلة سبقت.. انها الورطة التاريخية التي كشفت عن العدو غطاءه وافقدته صفة المظلومية ولعبة الهولوكست ودفعت به الى قفص الاتهام وهي لم تكن الا بفعل الهجوم الفلسطيني الواسع"طوفان الاقصى" الذي منح الدول والشعوب فرصة التعبير عن موقفهم المساند ورؤية الحقيقة على وجهها الصحيح..
على صعيد آخر نرى كيف ظهرت حقيقة الكيان الصهيوني بعد أن فشلت الفكرة الصهيونية واخفق المشروع الصهيوني.. الكيان الصهيوني الذي أصبح منبوذا وارهابيا في حس الانسانية ووعيها لقد اصبح الكيان هزيلا مرتجا خائر الروح لقد قرأت في مؤخرا مقالا "كفانا من النشوة فالفرحة بانتصار ترمب سابقة لاوانها ومفرطة" للبروفيسور زكي شالوم وهو باحث كبير في معهد دراسات الأمن القومي، جامعة تل أبيب، وهو متطرف.. يحاول في مقالته ان يعيد القادة الصهاينة الى فهم الواقع الامريكي بطريقة واقعية وهو يرى ان الفرحة بفوز ترمب تعكس ضعف دولة إسرائيل. بمعنى أن دولة إسرائيل في مأزق يصعب عليها التعامل معه بمفردها، وتنتظر طرفا خارجيا لمساعدتها للخروج منه.
اما الرهان على ترمب فهو رهان غير واقعي.. فان ترمب سيكون مقيدا بمعارك داخلية اولها تهديد الدولة العميقة التي تلتهم كل جزء من الولايات المتحدة: عمالقة الاغذية والادوية، ومجمع الصناعات الحربية ووجه الاوساط الاكاديمية ووسائل الاعلام الامريكية واعادة تصميم سلطات التنفيذ في الولايات المتحدة والمزيد.. انه صراع ضد قوى هائلة لن تعلن ببساطة أنها تقبل "قانون الناخبين" وتترك لإدارة ترامب تحقيق رغباتها.. ولا يمكننا أن نستبعد أنه سيتم استخدام العنف في النهاية، لا يمكننا أن نتجاهل حقيقة أنه خلال الحملة الانتخابية جرت محاولتان لاغتيال الرئيس ترمب .
كل هذا، مع الانتباه لما يجري على الساحة الدولية: الحرب الروسية الأوكرانية؛ حروب إسرائيل؛ التهديد الإيراني؛ والخطر الصيني، بما في ذلك تايوان؛ تهديد كوريا الشمالية؛ الخلافات مع الدول الأوروبية وأعضاء الناتو، وغيرها.. ومن الواضح انها أوضاع ينقسم الرأي حولها في المجتمع الأميركي الذي يعيش الاستقطاب الشديدة. ولهذا فمن العبث تصور ان ترمب سيكون متحررا في مواقفه المتماهية في الدعم غير المحدود لاسرائيل.
منذ 7 أكتوبر واسرائيل تحاول ترميم صورتها وتقوم بكل عنف وانفلات من القانون في حرب ابادة جنونية غير مسبوقة ضد غزة ولبنان وينبغي بكل موضوعية الاشارة الى أنه على الرغم من نجاحاتها العديدة في قتل قادة وكوادر وابادة جماعية، إلا أنها لم تنجح في زرع الشعور بالهزيمة في مقاتلي حماس وحزب الله. فلا زالت المقاومة الفلسطينية واللبنانية واليمينية والعراقية قادرة على إطلاق العشرات، وأحياناً المئات، من الصواريخ والقذائف والطائرات بدون طيار في الشمال وايلات يومياً بشكل روتيني. وحتى في قطاع غزة، تواصل المقاومة حربها وتفرض أثماناً باهظة على إسرائيل.
وفي الوقت نفسه، فإن الاستقطاب الاجتماعي السياسي داخل دولة الكيان قد وصل ذروته وهو يسير بلا توقف نحو الانشقاقات العميقة التي تظهر اعراضها على السطح بجلاء وكما قال الرئيس الصهيوني : ان العنف ضد المستشارة القضائية ورئيس الحكومة والاجهزة الامنية انما هو خراب للدولة.
.. فالكيان مليئ بالنزاعات الداخلية الخطيرة، من بينها: الدين والدولة، التجنيد العسكري، الطائفية، الجنس، عدم المساواة الجغرافية، عدم وجود فصل فعال بين السلطات، حل المشكلة الفلسطينية، التجنيد الإجباري. الرتب السياسية والعسكرية، وأكثر من ذلك.
وهنا يكبر السؤال الأساسي في الكيان الصهيوني: هل الكيان الصهيوني حليف جذاب من وجهة نظر الولايات المتحدة؟ وللاجابة على هذا السؤال ينبغي وضع كل المعطيات على الطاولة بما بخص الاوضاع الصهيونية كحالة مضطربة ومستنزفة وهو أمر مرغوب فيه وضروري للولايات المتحدة أن يتم التعرف عليها مع كيان مكلف كحليف.. أن إدارة الرئيس ترامب، مثل أي إدارة أخرى، ستفحص علاقاتها مع إسرائيل على أساس المصالح والقوة. فهو يبحث عن المصلحة في الاساس وعن علاقة مجدية، وهذا ما لم تستطع قيادة نتنياهو استرداده حتى اللحظة بعد ان هشم طوفان الاقصى صورتها امام الحليف الامريكي: السؤال الكبير الذي تحاول اسرائيل الاجابة عليه الان إلى أي مدى يمكن لإسرائيل أن تخدم المصالح الوطنية للولايات المتحدة وهذا ما أصبح مثار الشك بفعل طوفان الأقصى.. ولاننسى أن أي تطوير وتعزيز للعلاقة مع الكيان الصهيوني يستدعي حسابات دقيقة على الصعيد الدولي كما على الصعيد الداخلي وكم ستدفع امريكا مقابل ذلك وهل لا زالت اسرائيل تستحق كل هذا الدعم المفتوح؟.. هل سيكون لعلاقة ترمب بروسيا تأثير في العملية كلها لاسيما وان الازمات العميقة التي تنشأ عن الاستقطاب في السياسة والمجتمع الامريكي قد تدفع الى اوضاع مرهقة للادارة الامريكية التي ستجد نفسها معزولة ومنخرطة في معالجة تركمات ثقيلة..
صحيح أن التوجهات الامريكية والغربية تستهدف المنطقة العربية أساسا لنهب ثرواتها ومنعها من النهضة وتغيير معالم ثقافتها وهويتها.. الا ان هذا المشروع الجهنمي اصيب بخيبات امل كبيرة في اكثر من جولة وهو قد تورط في حروب على مدار قرنين لم تكن كلها انتصارات له بل دفع فيها ما جعل التفسخ فيه على قرب خطوة.. صحيح ان الامريكان والغربيين لم يعلنوا اعتذارهم عن حملاتهم الاستعمارية ولا يزالون يضخون السلاح والشر ضد بلداننا العربية وعالمنا الاسلامي الا ان حالات الرفض والمقاومة اشغلتهم كثيرا من العراق الى افغانستان وفلسطين ولبنان واليمن هذا في ظل عجز اسرائيل عن تشكيل طوق حماية للمصالح الامريكية في المنطقة.. هنا تقع اسرائيل كلها في دوامة الانهيار وعلى حافة الهاوية.. وعمليا فان الواقع العربي قد سلم قياده للأمريكان ووطأ لهم بقواعد عسكرية وهو طيع تماما للتوجهات الأمريكية وبسخاء وهكذا فلن يكون الأمريكان بحاجة الى بذل نفقات عالية ومكلفة للخزينة ومرهقة للمواطن الأمريكي الذي بدأ يتحسس بألم نتائج تدخل بلاده المجنون مع آلة القتل الصهيونية في فلسطين والمنطقة..
كلمة لابد منها:
لسنا مبالغين ان قلنا اننا اقتربنا من فلسطين.. اننا خرجنا من وهم المفاوضات العبثية، واكتشف الناس جميعا ان فلسطين لا يمكن ان تستعيد حريتها الا بملاحم فوق الخيال لاننا باختصار نواجه النظام الدولي كله السري والعلني .. ولئن استطعنا تفكيك النظام الدولي الظاهر الى حد كبير فاننا نكون الحقنا بالنظام الدولي السري ضربات لم يكن يتخيلها.. سيكون لذلك كله دور كبير في اعادة ترتيب الخرائط السياسية في العالم نرى بوادر ذلك متسارعة.. لله درك يا 7 أكتوبر المجيد ورحم الله من اطلقك تمزق حجب الظلام والله غالب على أمره
