عام ثان طوفان.. هجوم متعدد الجبهات
صالح عوض
أمد/ لم تكن الملحمة الفلسطينية المتواصلة منذ قرن فقط قتالا وحربا إنما هي لوحة تتداخل فيها كل ألوان الإبداع الإنساني فكان الشعر والأدب والفن والفكر في ذروة عطائه وأما الشعب العميق فلقد أبدع في مواسمه ومناسباته ويومياته في غناء رافق الثورة يعبر عن عشق الشعب للحرية والكرامة ويحول الموت كرامة وعرسا.. غنى الفلسطينيون فقط للشهداء والأسرى والجرحى وغنوا للبندقية والفرس بعد عودتهما بدون الفارس الذي سقط في الميدان.. وغنوا لوطن من عكا للطيرة وغزة وجنين فمن ينسى فلسطين الجنة؟ ثورة فلسطين كرامة.. كرامة للفلسطينيين وكل النشامى، وطن يطلب شبابا للملحمة المقدسة ويتمنى المزيد و يغنّوا لهبوب النار لأنهم يرون أن فجر الحرية بالدم يتحنى.. وهم دوما يرون ان الشعب واحد وليس عائلات وعشائر و قد اقسم الثائر ان لا يهدأ حتى يتحرر الموطن المقدس.. وهم يرون أن هذه المعركة معركة العروبة رغم ان الفدائي حتى اللحظة وحده محاصر وان الأرض لاتزال مسلوبة، وأدرك الفلسطينيون ان كل من يتاجر إنما هو ليس من أبناء الأمة..
الاختلاف هو اختلاف معايير:
عندما انبعثت الأمة من غار حرّاء كان واضحا أن أهم مميزاتها أنها تحررت من ضيق الدنيا وجور الأديان إلى سعة الدنيا والآخرة.. أهم ما جاء به الإسلام على العرب أنه كسر الحصار العقيدي والنفسي بحيث لم تعد الدنيا هي السجن الأبدي بل هي منطّة لليوم الأكثر حضورا وقيمة فكان اليوم الأخر والحياة الآخرة هي المساحة الأرحب والعمر الحقيقي وكان لهذا المنطق تأثيره البالغ في نفوس العرب والمسلمين زيادة على ما تعمق في وجدانهم من النخوة والكرم والنهضة والجود والتضحية والذود عن حياض الكرامة والعرض.. فتشكل المعيار من عقيدة جعلت الاهتمام بالدنيا لا يحول دون القيام من اجل الدفاع عن الشرف والكرامة بالإضافة لما تميز به العرب من قيم جمالية.
مع ما يبدو على هذا الكلام من إبحار في الحديث عن الإسلام الأمر الذي يحلو للبعض ان يصفه بالخروج عن إطار السياسة والواقع.. إلا أنني أؤكد ان هذا هو الكلام الحقيقي بل الوحيد لفتح باب الوعي بما يجري الآن في غزة وفلسطين جملة.. ولحسن الحظ أن هذا المعنى الكبير هو ما قد وصل الى كثير من الناس في أوربا وأمريكا أولئك الذين طرحوا السؤال القوي: ما الذي يجعل أب مفجوع وأم ثكلى وزوجة أرملة وأبناء أيتام يقفون على صعيد واحد تجاه السماء يحمدون الله ويشكرونه ويتجلدون بصبر جميل يهز القلوب و يفكك الطلاسم.. انه البحث عن أعمق المعاني التي شكلت المعيار لدى هذا الشعب الذي يولد في لهيب معركة لا يجد فارقا زمنيا ولا روحيا بينه وبين أهل بدر وأحد والخندق أي باختصار الإيمان الفعال بآيات القران وسننه وتذكيره بالأقلية والأكثرية ومن هو صاحب الأمر سبحانه.
المعيار يصبح أكثر دقة وعلمية عندما يصدر عن الأكثر علما وخبرة وبصيرة.. ونحن نستند في معيارنا لتقييم ما يجري الآن على أرض فلسطين خاصة والمنطقة عامة الى أصح القيم وأنبل المعاني وأسمى الأهداف وهي جميعها مضمنة في كتاب الله الكريم.. إننا نرتقي بذلك الى الرفعة الإنسانية التي تليق بفلسطين المباركة وهنا تتساقط كل المعايير الأخرى وتندحر كل معاني العجز والخوف.. ان الشهادة في أكثر صورها جلجلة وتجليا هي المبتغى المرجو لخيرة أبناء فلسطين.. وهذا المعيار لحسن الحظ انه رافقنا في كل ملاحمنا البطولية قديما وحديثا وها هو يتأجج فرحا وانتصارا يوميا بصمود أسطوري في شمال غزة وفي مواقع الاشتباك على فوهات الأنفاق المفخخة وفي إقدام الشباب بفدائية رائعة نحو احدث الدبابات يفجرونها في مشهد مسرحي مذهل.
هذا هو المعيار الذي يحتكم إليه أولئك الذين اتخذوا من المواجهة سبيلا أوحدا يفرض وقائع جديدة غير مسبوقة.. وهذا المعيار لم يضعه العدو في حساباته ولا يلتفت اليه ويظن انه بمزيد من النار والإبادة والقصف يمكنه ان يقهر إرادة الإيمان وعزيمة المواجهة لدى الطائفة المنصورة.. لا يدرك العدو المتحصن بارقى المعدات وأكثرها تطورا أن الشهادة لدى أبناء الطائفة المنصورة هي الرغبة الأعظم وان الحياة غير مبحوث عنها الا لكي يقام منهج الله في العزة والكرامة والعدل والحرية والحق.. وهنا يصبح الميدان هو ساحة مواجهة بين معيارين مختلفين تماما ومن الواضح ان العدو لا يفهم ما يجري في جبهتنا المقاومة..
وخارج ساحة المواجهات العنيفة.. يمكننا تسجيل عمليات الاختراق المادي والعلماني للنفوس التي اقتنعت بالدنيا والدنية ورأت ان حياتها انما هي هذه الدنيا فجزعت من الموت وفرقت مشاعرها من القنابل والتدمير.. فكان ذلك دوما هو السلاح الأخطر بيد العدو حيث استطاع من خلاله ان يستوطن ويتوسع ويذل الرجال ويقهر مشاريع الثورات ويحيلها الى أدوات تخذيل وتوهين واستسلام لمنطق التسوية المخادعة.
في النخب المتعلمة -وليس مستبعدا أيضا المتدينة تدينا سطحيا- والطبقات المستنفعة من الواقع تبرز مصطلحات الهزيمة والدعة تحت أغطية من الهروب من مواطن الشرف والكرامة فيلوحون برايات الإشفاق على أهل غزة واللطيمة على قتلاهم والندب على جوعهم وتشتتهم.. والأسوأ من ذلك أن يتحول البعض الى مكانة مرذولة محقورة بتوجيه اللوم على المقاومين والطعن في نواياهم بل ووصل الحد ببعض المنهزمين ان يجعل من الفدائيين المضحين بأرواحهم وأهلهم مجرد شركاء للعدو بتفاهمات لكي يبيدوا القضية الفلسطينية..
هم لا يدافعون عن الشعب الفلسطيني ولا يتألمون على جراحات غزة انما هم في حقيقة الأمر ثقلت هممهم الى الأرض وقد ثبّطهم الله عن القيام بواجب الشرف وعز عليهم ان سواهم كان له هذا الشرف الكبير.. وهذه المعاني واضحة يذكرها القران الكريم فلقد اخبرنا الله سبحانه وتعالى بمنطق المعجزة تفاصيل هذه المعركة ولان فلسطين هي الأرض الإستراتيجية لقضايا الأنبياء الذين احتشدوا جميعا فيها كما لم يحتشدوا في مكان أخر فكانت هي أرض الأنبياء وبوابة السماء ولهذا فهي أكثر أرض ستظهر عليها السنن الالهية والنواميس الربانية.. وهكذا تميزت الطائفة المنصورة وقد سقط كل الأدعياء سواء كانوا متدينين او وطنيين او قوميين.. ولم يبق في الميدان الا الراسخون في العلم والقابضون على الجمر
جديد طوفان الأقصى:
كانت الصدمة الصاعقة التي طالت قوى المقاومة في لبنان مع نهاية العام الاول من الطوفان والذي شهد مساندة معتبرة من قبل المقاومة اللبنانية ومعها المقاومة الفلسطينية من جنوب لبنان.. أراد العدو أن يسقط في أيدي المقاومة الفلسطينية بالقضاء على السند العربي القوي المتمثل في المقاومة اللبنانية فكانت الضربات قاسية وعنيفة راح بفعلها الجنوني قادة كبار على رأسهم قائد المقاومة وكثير من قيادات الصف الأول ومئات المقاتلين الذين استشهدوا أو أصيبوا بجراح بليغة..
إلا أن هذه الصدمة الصاعقة سريعا تم امتصاصها بنفس المعيار الذي سبق لنا شرحه وما هي الا أيام حتى تتحول المقاومة في جنوب لبنان الى ساحة مواجهة رئيسية او كبيرة تلجئ مئات آلاف الصهاينة المستوطنين الى الهروب من مستوطنات الشمال وتلجئ العدو الى الإيغال أكثر في مواجهات لن تكون الى وبالا على أمنه بل ووجوده..
وهكذا تتساقط أهداف العدو واحدا بعد الأخر.. فلقد بدأت حربه على غزة تحت عنوان استرداد الأسرى وتدمير قوة المقاومة.. وبعد سنة عندما فشل في تحقيق أي من أهدافه اتجه الى جنوب لبنان تحت عنوان إعادة الهاربين من المستوطنات الشمالية والذين زاد عددهم عن 200 ألف يضافون الى 150 ألف هربوا من غلاف غزة.. وهاهو بعد تصعيد جنوني وقصف للضاحية بمئات أطنان المتفجرات يقع في سوء تدبيره بحيث ارتفع عدد النازحين من مستوطنات الشمال الى 350 ألف والعدد في ازدياد..
ان دخول الجبهة اللبنانية ميدان المواجهة الشاملة والذي يقترب من اكتماله يعني ان الطوفان حقق هدفا سياسيا كبيرا بإشراك العرب في المواجهة مع العدو بالإضافة إلى ما يقوم به اليمنيون والعراقيون حيث يبدو أن التصعيد من هاتين الجبهتين أخذ في التوسع..
الجديد الأخر المهم الذي لا يمكن تقليل دوره هو ما يحصل على الجبهة الإيرانية التي كسرت حاجز التردد والصبر الاستراتيجي الى توجيه ضربة معتبرة ألجأت كل الصهاينة الى الملاجئ والمكوث تحت الأرض ولازالت إيران في عمق المعركة التي قد تتطور الى اشتباك متواصل مع الكيان الصهيوني لاسيما اذا حاول توجيه ضربة لإيران..
الطوفان استطاع بلاشك تحقيق أهداف إستراتيجية وهي استدعائه للبنان والعراق واليمن وإيران بالدخول الى ساحة المعركة ولعل هذه المرة الاولى في تاريخ صراعنا الفلسطيني ضد المشروع الصهيوني نتمكن من كسب اخوة سلاح ورفاق كفاح في معركة نحن نحددها بعيدا عن الأعيب الأنظمة وتهويش الشعارات الفارغة..
الطوفان اليوم ينبعث من غزة ليشمل الضاحية وصنعاء وبغداد وطهران.. ولن تستمر و تيرته الحالية في هذه المناطق بل ستتصاعد بأكثر قوة وفاعلية كما أنه لن يتوقف عند حدود هذه العواصم فحتما سيجد أحرار الأمة من بلاد الشام والرافدين والجزيرة ومصر والمغرب العربي الطريق للمشاركة في شرف المقاومة وكرامة الأحرار.. بعد ان أصبح الإحساس عميقا ان كل من لا يهب نجدة لفلسطين والقدس والأقصى وغزة إنما هو عديم الكرامة فاقد الرجولة.. وانه مع ذلك سيذبح كالخراف على ركبة بتروله وغازه ويكون في الخاسرين..
المعيار هو: معيار أبوبكر الصديق: احرص على الموت توهب لك الحياة.. فالموت له اجله لا يتقدم ولا يتأخر وشعب فلسطين انطلق بهذا المعيار ولن تسقط رايته وسيظل دمه يشعل القنديل حتى ترى طلائع الامة طريق العزة والكرامة وأما الزبد فيذهب جفاء.. والله غالب على أمره.
