مقاومة الفلسطينيين شرارة النهضة
صالح عوض
أمد/ أجل أن شعب فلسطين لاسيما في غزة يمر في محرقة الناجون منها ليسوا بأحسن حال ممن قضى فيها..ولكن بعيدا عن المأتمية واللطم لابد لنا من تدبر واع منطلقين من اعتبار أن القيمة الأساسية لأي نكبة تتمثل في تأملها واستخراج أعمق ما فيها من أسباب ورؤيتها على حقيقتها قبل أن نبدأ بتقييم عمليات الرد الذي لا يمكن أن يبنى على أوهام وتقديرات عاطفية.. وهكذا فان المحرقة التي يتعرض لها شعب فلسطين منذ 11 شهرا لم تكن عملا استثنائيا من قبل طغمة الشر العالمية إنما هي حلقة مفصلية في مسلسل الحرب على الأمة والإسلام والإنسان وهي بلا شك أخطر حدث تاريخي تتعرض له الأمة والبشرية وسيكون له ما بعده من أثار خطيرة على مصير العرب والبشرية سلبا أو إيجابا.
الفلسطينيون والعرب:
يخوض الفلسطينيون معركة استثنائية، لا زال الوقت مبكرا على توفر القدرة لتوصيفها بدقة، فلقد احتشد الطغيان الشيطاني مزودا بكل آلات البطش وأساليب الجريمة التي لم تجتمع ضد شعب قط عبر التاريخ البشري.. وفي رقعة صغيرة لازالت القنابل بأنواعها تتدفق من الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وبريطانيا الى ساحات المعركة التي يشرف عليها دهاقنة الشر العالمي وتشهد مساحة غزة الصغيرة احتشاد كل انواع الطائرات الغربية المقاتلة والتجسسية.. ومن الواضح أن العدوان لا يتوقف على البشر بل يمتد الى المستشفيات ومراكز تحلية المياه والمدارس والمساجد والكنائس فضلا عن البيوت و مراكز الايواء.. لقد فعل الصهاينة مدعومين بالإدارة الأمريكية والألمانية والبريطانية والفرنسية ما لم يفعل أي من الاستعماريين السابقين والأشرار الذين كان لهم عناوين تميزوا بها وصمتهم بالعدوان والتطهير العنصري..
إن العدوان على غزة خصوصا وعلى فلسطين عموما ليس حربا عليها فقط وهو لا يقف عند حد الإبادة الجماعية لمجموعة بشرية بل هو يصل الى حد الإبادة الجذرية بقتل كل معاني الإنسان وفطرته داخل الأمة التي ينتمي إليها الشعب الفلسطيني بعد ان تكون هذه الجريمة قد حققت أهدافها الإستراتيجية في قتل النخوة والغيرة والهمة والكرامة والنصرة والعزة وقيمة الرابطة الأخوية وتكريس الهزيمة والذل في قلوب الأمة وطلائعها.. بمعنى واضح ان يتم قمع أعمق مشاعر العزة لدى الأمة وصرفها نهائيا عن التفكير في النهضة والوحدة وتوجهها في ظل الهزيمة وتجويف قيمها و تكريس قيم جديدة تمثل الفيروس لكل خلايا حياتها وأفكارها المتميزة.. فلعله من الواضح تماما لكل متابع لمسيرة الاسلام انه يفقد قدرته على التاثير اذا عزلت عنه تلك القيم الايجابية من نخوة وتصحية وكرم وعزة وكرامة.. فهو يصبح دون تلك القيم كلمات لا فعالية لها في حياة الناس.
صحيح ان الشعب الفلسطيني هو من يتلقى الموجة تلو الأخرى من عمليات الإبادة والمحرقة ولكن العدوان يستهدف في الحقيقة العرب جميعا كأمة تمتلك احتمال النهوض ويستهدف الإسلام بقيمه ورسالته بعد أن أقتنع الأشرار ان لدى الإسلام قدرة ذاتية فائقة للتحرك في أصعب الظروف وان بين يديه إمكانات هائلة للنهوض بأمته لإعادة السيادة والظهور على الدين كله.. ومن هنا ترافق الهجوم الواسع على الشعب الفلسطيني بقتل علمائه وأطفاله وتدمير مدارسه ومساجده وجامعاته ومستشفياته بهجوم معنوي نفسي واسع ضد ضمير الأمة وعقلها وروحها من خلال بروبغندا متعددة الوسائل والأساليب..
وحتى هذه اللحظة يكون المخطط الأمريكي البريطاني الألماني الفرنسي قد حقق كثيرا من أهدافه متمثلة في صمت الشعوب العربية بالمجمل وانخراط العديد من النظام العربي في العملية الشريرة والقليل المتبقي من النظام العربي متخاذل يعيش حالة الهامش بلا أي حراك جاد، فيما الأحزاب العربية بشتى عناوينها الإسلامي والقومي والوطني اضمحلت إلى درجة التفاهة و اتخذت موقفا مخزيا ولم يعد لها ما كان متوقعا منها في تحريك الجماهير والاحتجاج القوي والضغط على الحكومات المحكومة لتعديل مواقفها ومحاصرة اقتصاد الدول المعادية والقطيعة مع مؤسساتها وإظهار الحجم المطلوب من الغضب.. هنا يشعر صناع القرار الغربي ان استمرار عملية الإبادة الجذرية لشعب فلسطين تمتد لابادة جذرية للعرب فلن يعود العرب بعد إبادة الشعب الفلسطيني عربا بل سيكونون مسخا بين الأمم وعبارة عن عبيد في عجلة الهيمنة الشيطانية.
فلسطين-الأمة-البشرية:
هذا الكم الهائل من البشر "الأمة" بأغلبية شبابهم، وبثرواتهم وآثارهم الفنية والعلمية المشهود لها، وبتاريخ عالميتهم الحضارية الأولى وسلطانها، وبهذا الامتداد المتواصل الاستراتيجي لجغرافيتهم المتوسطة، وبهذا الدين المعجز المحمول على ظهورهم.. كل ذلك مصاب بالعطل والتشتت وقد أصبحوا جسدا تتداعى عليه الأمم كما تتداعى الأكلة الى قصعتها.. ولم توات الأمة فرصة الاستنفار الكلي و إن كانت من حين الى آخر تنتفض بعض أطرافها معبرة عن بقاء الروح فيها.. وبفقدان الأمة تماسكها ومعرفتها لنفسها وتصويبها الى أهداف حقيقية فقدت البشرية فرصتها في التحرر من قيود الاستعباد التي فرضت مجموعة من اللصوص الكبار الذين يتحكمون اليوم في الصندوق الدولي والمؤسسات المالية وفي صنع القرار الدولي وما يتبع ذلك من فنون و إعلام وقوانين مالية وأوضاع اجتماعية أحالت البشرية الى حظيرة كبيرة من الكائنات ذات المهمة المحددة في تسمين ثروات اللصوص والسير وفق شهواتهم ورغباتهم المجنونة التي تتجه إلى مسخ الإنسان والتحكم في نسله وتغيير طبيعته وفطرته بل والتحكم في حجم البشرية بالحروب والأوبئة.
لقد كانت فلسطين مع انطلاق الأمة هي حبل الوصل المادي بين الأرض والسماء، الأرض كل الأرض ممثلة بأنبيائها والمرسلين عليهم السلام الذين اصطفوا خلف النبي ومعهم أرواح الصالحين من شعوبهم وأممهم ليعلنوا إمامته وإمامة أمته على العالمين، وكذلك كانت فلسطين والقدس في القرن الإسلامي الأول هي المنعطف الإنساني والعالمي للرسالة الذي جسد انتصار الإسلام على إمبراطوريات ذلك الزمان ولينطلق بعدها نور الإسلام مشرقا ومغربا.. وشهدت القدس الإعلان الإنساني الأول للتعايش الإنساني الراقي بين أصحاب الديانات في وثيقة" العهدة العمرية" ظلت هي الأنبل والأكثر لياقة بالإنسانية متعددة المذاهب والأديان..
كان لابد من تحرر البشرية من الاستعباد الرأسمالي الجنوني الذي حول كل شيء في حياة الناس الى سلعة تدر الأرباح على اللصوص الكبار حتى الشعائر الدينية في الغرب أصبحت مناسبات للتكسب المالي في ظل هيمنة العلاقة الثنائية بين البنك والشركة التي تكبل الفرد وهيمنة المؤسسات المالية التي تكبل الشعوب والدول.. ولقد اكتشفت البشرية ان كل شيء تم انجازه في ظل الانسلاخ عن المسيحية انما هو لتكريس عبودية من نمط جديد اكثر خطورة.. فلئن كانت صكوك الغفران وكراسي الاعتراف سمة لأوربا القرون الوسطى فإن الانقياد للأفكار والثقافة والأوضاع التي كرسها النظام الدولي ومؤسسات الدولة قد صنع أنماطا أكثر تعقيدا من صكوك الغفران وكراسي الاعتراف..
ولا تملك البشرية لاسيما في عالم الاستهلاك والاستعباد المعقد فرصة للتفكير للخروج من الورطة التاريخية والمأزق الإنساني الكبير بعد أن اكتشف الجميع ان كل مؤسسات حقوق الإنسان والعدل ومحاكم وقوانين إنما هي كلها لإحكام السيطرة على الشعوب والأمم التي تترك ترعى لتدخل الحظيرة فيما بعد في انتظار الجزار الذي له ان يختار حسب المصلحة أيها يجلب الى مسرح الذبح والإبادة..
وكما هو واضح فليس سوى الإسلام برؤيته الإنسانية وبتصديه لسلطة المال وطغيانها وبجعله كل شيء من تشريع وأوضاع إنما هو لمصلحة الإنسان، ليس سوى الإسلام كمنهج للحياة وباعث للقيم وحامي لمسيرة الناس وحقوقهم ودافع لطاقاتهم نحو الحياة الكريمة والتحرر من الطغيان.. هذه الجمل المقتضبة توصل اليها صناع القرار الدولي وهم يعرفون أن أرض الاسلام الروحية تدور في جزيرة العرب وبلاد الشام بما تحوي من مقدسات وتوارث بيئي وتاريخي لقيم الانبياء والرسالات وهي مركز العرب وقطب رحاهم ومن هنا كان لابد من تفتيت هذه البقعة واطفاء نورها وتحطيم جسر عبورها لمستقبلها.. وها هي تلك البلاد الاستثنائية بلاد الشام والجزيرة والعراق كما أشار الرسول صلى الله عليه واله وسلم ترضخ تحت وطأة المخططات الجهنمية باغراقها في مسلسلات الدم والفساد والتفسيخ واثارة كل نعرات الاثنيات لعزلها تماما عن امكانية التفكير بالنهضة بالاسلام لتجمع العرب وتهدي المسلمين.
من هنا يجيء دور فلسطين لتكون نبية النهضة ورسولة البعث الكبير لرسالة الانسان المتكامل نبلا وسموا.. من هنا جاء دور الفلسطيني والغزاوي بشكل خاص ليقدم النموذج القادر على بعث الانسان رغم كل قيوده.. فهذا الصبر النبوي وهذا الثبات الايماني منقطع النظير وهذا الصمود غير المسبوق امام قوى الشر العالمي يعن بوضوح اننا قد وضعنا يدنا على نقطة الانطلاق.
الفلسطينيون واليهود:
من المهم الاشارة ولو سريعا لهذه المقارنة.. فبنو اسرائيل تكرست فيهم كل معاني الخسة والنذالة والجشع والخيانة والغدر ولقد مروا بمرحلتين خطيرتين الاولى العبودية لفرعون والثانية التيه عندما عصوا رسالة موسى عليه السلام..و بتدبر حالة اليهود كما وردت في القران الكريم الذي فسر وشرح واضاء المشهد كاملا نكتشف ان السبب الرئيسي في فساد هذه الفئة من البشر انها خضعت لفرعون الذي قتل أبناءهم واستحيا نساءهم واستولى على أموالهم واستخفهم فأطاعوه، وكان هذا الخنوع المستمر سببا في تكريس كل القيم السلبية في النفسية اليهودية التي لم يستطع كل الأنبياء المتوالين إنقاذها وتحريرها من الخراب الرهيب وكانت كافية لجعلهم يقتلون الأنبياء- يحي وزكريا- ويكذبونهم ويتآمرون مع الدول ضد بعضهم-سيدنا عيسى مثالا- وكان لهم من قبل سجالات مع النبي موسى عليه السلام الذي حررهم بمعجزات من سطوة فرعون.. وتوارث اليهود بعد ذلك عبر التاريخ البشري أساليب الاستغلال والالتواء والإفساد وصولا الى سطوة العائلات المتحكمة بالمال العالمي اليوم وتبعا لذلك بالنظام الدولي القائم على تحطيم الإمبراطوريات السابقة ونشر التفسخ والتحلل من كل قيمة و نشر ثقافات الانهيار الأخلاقي ومحاربة كل فضيلة ليسهل عليهم استمرار استعباد البشر.
قدر للفلسطينيين أن يكونوا هم في اول خطوط المواجهة ضد المشروع اليهودي فكان لابد ان يكونوا النقيض التام له قيميا وبنيويا.. الفلسطينيون وهم أصحاب الأرض وورثة رسالات السماء لم يسجل التاريخ لهم أي مثلبة وتقاعس في مواجهة الطاغوت والأشرار وبالنظر للمائة سنة الأخيرة فإننا نمتليء يقينا ان هذا الشعب وحده تصدى بكل ما يستطيع للمشروع الدولي مشروع النظام الدولي الجديد في حلقة هي الأخطر.. فحظي أهل فلسطين بكل القيم الايجابية التي تمنح الإسلام فرصة الظهور والتجلي بمعنى ان تدب الحياة في الجسد العربي والكتلة الإسلامية وقد يكون قبل ذلك في الإنسان المستعبد من قبل عصابة المال المهيمن وأدواتها الشريرة.
الفلسطينيون -بكل سموهم ونبلهم وثباتهم ويقينهم- يتصدون لليهود اللصوص الفاسدين المجرمين أعداء الإنسان، وهاهي المواجهة القاسية الصعبة تتم على الأرض التي باركها الله واجتمع فيها أنبياؤه ورسله لتكتمل آيات المعركة ولتكتمل عناصر البعث الإنساني الحضاري الحقيقي للعرب والمسلمين والناس أجمعين.. وهذا ما يحرك عميق وجدان الإنسان في أمريكا وأوربا والعالم أجمعه لانها باختصار معركة الإنسان ضد أعدائه.
انها مواجهة تمام الخير والفضيلة لتمام الشر والرذيلة والإفساد.. والله غالب على أمره.
