مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

ياسر عرفات في غزة

تساءلت، في ذكرى ميلاد ياسر عرفات التي تصادف الرابع من أغسطس/آب، تًرى لو لم يمت أبوعمار شهيداً شهيداً، كما كان يردد دوماً، فهل كان ليقاتل اليوم في غزة مع مقاوميها؟ يجلس معهم في نفق في الشجاعية، ويشاركهم قيادة معركة خالدة من معارك الشعب الفلسطيني.

تُرى، كيف يمكن أن نفسر سيرة الزعيم الفلسطيني الأبرز الذي أطلق الرصاصة الأولى في الثورة الفلسطينية المعاصرة 1965، وأصبح مطارداً من الأنظمة العربية التي اتهمته بمحاولة توريطها في مواجهةٍ لم تستعد لها، ليتحول إلى أنبل ظاهرة في الأمة العربية، بعد نكسة يونيو/حزيران 1967، كما وصف الرئيس جمال عبد الناصر المقاومة الفلسطينية، وتفتح أمامه العواصم، ويتمكن الفدائي من التنقل عبر الحدود العربية بورقة إجازة، بعد أن كان الفلسطيني ممنوعاً من الحركة والتنقل.

تسلل عرفات إلى الضفة الغربية، بعد حرب حزيران، ليطلق منها الرصاصة الثانية. قاتل مع الجيش الأردني في الكرامة والأغوار. حاول تنظيم العلاقة مع لبنان، في اتفاق القاهرة، ليجد نفسه متورطاً فيه في حربٍ أهلية سعى جهده إلى الخلاص منها. أقام في لبنان قواعد ارتكاز لقتال العدو الصهيوني، إلا أن محاولاته في العثور على مقعد في قطار التسوية، بعد حرب أكتوبر/تشرين أول 1973، حولت لبنان إلى ورقة متنازع عليها بينه وبين سورية، حليفته بالأمس، وخصمه اللدود فيما بعد. غيّر استراتيجية منظمة التحرير، من تحرير كل فلسطين وإقامة الدولة الديمقراطية إلى إقامة السلطة الوطنية في الضفة وغزة منذ 1974، وبرنامج النقاط العشر. لم يمنعه ذلك كله من البقاء في خنادق المواجهة والقتال، وقيادة غابة البنادق، كما كان يسميها. قاتل في بيروت شهراً إضافياً، بعد أن تقرر الانسحاب منها، حتى يضمن انسحاباً مشرفاً، لجيش ثوري مقاتل، يعتز ببندقيته ويقدس سلاحه. خرج من أبواب بيروت، ليعود من شبابيكها في طرابلس والجنوب والمخيمات، وليثبت أنه حيث يوجد الفلسطينيون توجد منظماتهم، وحيث تكون هناك مواجهة مع العدو يكون هناك الفدائي.

أحد المقربين منه كتب عنه إنه كان مسكوناً بجنون الجغرافيا. كان حلمه إيجاد بقعة جغرافية ينطلق منها نحو الوطن. الجغرافيا تحكمت في مسيرة ياسر عرفات، ولم يتمكن من ترويضها، وأدخلته في تحالفات ومعارك، ربما لم يكن يريد التورط فيها، وسعى جاهداً إلى الخلاص من آثارها ونتائجها.

 \"أقام ياسر عرفات في لبنان قواعد ارتكاز لقتال العدو الصهيوني، إلا أن محاولاته في العثور على مقعد في قطار التسوية، بعد حرب أكتوبر/تشرين أول 1973، حولت لبنان إلى ورقة متنازع عليها بينه وبين سورية، حليفته بالأمس، وخصمه اللدود فيما بعد\"

ولعلي، هنا، أضيف هاجساً آخر سيطر عليه، هو الخوف من انتظار الحدث. كان ماثلاً أمام عينيه مصير الحاج أمين الحسيني الذي انتقل، بعد حرب 1948، ودخول الجيوش العربية فلسطين، انتقل من دائرة الفعل إلى مربع الانتظار. دفعه هذا الخوف إلى أن يسعى جهده، ليكون في دائرة من يصنعون الفعل، وليس من ينتظرون نتائجه. وفي سبيل ذلك، ركب المخاطر، واتخذ قراراتٍ أصاب في بعضها وأخطأ في غيرها. يقوده اجتهاده إلى النصر أحياناً، ويجره إلى كارثة \"أوسلو\" التي تجرع مرارتها. لكنه، في كل الأحوال، لم يكن يتردد في قراراته، ولعل ذلك نابع من إيمانه بأن في وسعه، من خلال الحركة، تغيير المعادلات القائمة، أو التأثير فيها، لكنه كان متيقناً أن السكون قاتل.

بعد خروجه من بيروت، وفقدانه الورقة اللبنانية، توهم كثيرون أنه خرج من المعادلة. بجرأة شديدة، عاد إلى طرابلس، وقاتل فيها ضد السوريين، وتمسك بمواقعه في لبنان، وخاض حرب المخيمات. وكأنه ينتظر شيئاً يعوضه عن تلك الخسارة الكبيرة. هذه المرة، أنقذته الأرض المحتلة بانتفاضتها. بعد أطفال الـ\"آر بي جي\" جاء أطفال الحجارة. لم تعد أيٌّ من القوى الإقليمية قادرة على منازعته التمثيل الفلسطيني. بدا مقعده في قطار التسوية المنطلق ببطء أقرب إليه من أي وقت مضى.

ولكن، جرت الرياح بما لا تشتهي سفنه. اجتاح صدام حسين الكويت، ونشبت حرب الخليج. كان أبو عمار لا يزال مسكوناً بمرحلة الحرب الباردة. تأخر في إدراك المتغيرات على المستوى الدولي، ولم يعتقد أن حرباً ستنشب. ظل على اعتقاده بأنها أزمة ستُحلّ. تخلى عن حذره، وعن شعار حركة فتح التاريخي في عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية. بعد الحرب، دفع ثمن هذا الموقف. سابقاً، كان مكانه المفضل في الجو على متن طائرة لا تهدأ. أصبح، الآن، مقيماً بصفة دائمة في تونس، وغير مرحب به في عواصم عديدة. عاش وسط حصار عربي خانق، أشد وأصعب من حصاره في بيروت. بدا وكأن مرحلته أوشكت على الأفول. فجأة ضرب ضربته، وفاجأ الجميع بما فيهم حلفاءه، ووقع اتفاق أوسلو مع العدو، وغدا بين ليلة وضحاها الضيف المرغوب به في أروقة البيت الأبيض. وعادت طائرته تحلق في الأجواء. في اتفاق أوسلو، اعترف أبو عمار بدولة إسرائيل، في حين اعترفت الأخيرة بأن منظمة التحرير هي الممثل للشعب الفلسطيني في أي مفاوضات معها. في \"أوسلو\"، خطيئته التاريخية، اعترف العدو بصفته التمثيلية، ولم يعترف بحقوقه. نجح عرفات في تفكيك آثار الحصار الذي فرض عليه، وعاد إلى مربع الفعل، لكنه لم يعرف أنه وقّع أيضاً على وثيقة استشهاده.

عندما كان يحدثه أحدهم عن بعض الفساد المحيط به، كان يجيب أن التاريخ سيحاسبه على القدس، إذا فرط بها، أو لم يتمكن من استعادتها. وظل وفياً لذلك، إذ سرعان ما أدرك أن \"أوسلو\" وصلت إلى نهايتها، بعد فشل مباحثات كامب ديفيد وطابا. وأصبح مطلوباً منه أن يدخل في دوامة المفاوضات التي تلد أخرى. رفض العودة إلى مربع السكون، تمرد على \"أوسلو\"، ولم يعد سراً أنه كان مع عسكرة الانتفاضة الثانية، وأنه موّل وسلح ووجه ودفع بهذا الاتجاه. اعتقد أنه قادر، بذلك، على الضغط على عدوه، وعلى فرض شروط أخرى جديدة على هذا العدو في أي مفاوضات لاحقه. غني عن القول كيف حوصر ياسر عرفات، وكيف انقلب عليه بعض رفاق الأمس، ففي حين كان يسعى إلى تأجيج الانتفاضة، وهو محاصر، كان آخرون يسعون إلى إجهاضها. واجه أبو عمار مصيره بشجاعة، وذهب كما أراد شهيداً شهيداً شهيداً.

يصعب القول، كما بدأناه، فيما إذا كان أبو عمار حياً. لكن، من يعرفه يدرك أنه لن يقف ساكناً، وهو يرى غول الاستيطان يلتهم الضفة الغربية، ويرى سنوات المفاوضات تمضي خلف وهمٍ بسلام زائفٍ، ودولة يستحيل تحقيقها. وهو وإن لم يكن، اليوم، حياً ليكون في غزة، كما كان في الضفة والكرامة وبيروت وطرابلس، فلعله الآن يعانق الشيخ أحمد ياسين، ويجلس مع عبد العزيز الرنتيسي وفتحي الشقاقي وخليل الوزير، في غرفة عملياتٍ أقيمت على عجل، توجت المقاومين في غزة، وتحاول أن ترمم الخلل الذي اجترحه رفاقه بعد استشهاده.

×
أخبار
تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو الأحمد يبحث مع الاتحاد الدولي للنقابات أوضاع العمال الفلسطينيين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط