مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

"ويسألونك: لماذا فلسطين؟!"

يسألنا عدد من الأخوة والأصدقاء عن سبب تركيزنا في معظم مبادراتنا وأنشطتنا وأحاديثنا على قضية فلسطين بمختلف عناوينها، فيما لبنان غارق في الأزمات على أنواعها، وآخرها  أزمة النفايات، وفيما الوطن العربي يحترق بالانقسام والاحتراب والفتنة والعدوان في أبرز أقطاره.

       وغالباً ما تكون أول الإجابات على هذه الأسئلة القلقة، هو إننا نركز على فلسطين، القضية والشعب والمقاومة، لأننا نعتقد أن أصل أزماتنا كلها، على مستوى الأمة كما الأقطار، هو في المشروع الصهيوني والاستعماري الذي سعى في أوائل القرن الماضي إلى تجزئة الأمة إلى كيانات، ويسعى منذ أوائل هذا القرن إلى تفتيت هذه الكيانات وتحويلها إلى ساحات احتراب أهلي متواصل بين مكوناتها.

       وحين رفع الكثيرون شعار "فلسطين هي البوصلة" لا سيّما مع اندلاع الفتن في المنطقة تحت ذرائع مختلفة، كان المطلوب ترجمة هذا الشعار إلى مبادرات وفعاليات ومواقف يومية تعيد تصويب اهتماماتنا إلى حيث الاهتمام – الأصل بعد ان اقتنعنا بالملموس إن الكثير مما نراه حولنا من أهوال وانقسامات وحروب إنما يهدف إلى أن تصبح قضيتنا المركزية في فلسطين قضية فرعية، وان تتحول قضيتنا المحورية إلى قضية جانبية، بل أن تغيب تماماً عن اهتماماتنا.ان يصبح لنا عدو رئيسي غير العدو الصهيوني.

       وأول الردود على مخطط التفتيت والتدمير ودعوات الانصراف عن قضيتنا المركزية هي في أن تعود هذه القضية لتتصدر من جديد اهتماماتنا، وأن تعود من جديد مقياساً لسلامة أي مبادرة نطلقها أو فعل نقوم به أو موقف نتخذه. بل ان تصبح حافزاً لكي نتعالى جميعاً عن جراحنا على أهميتها، ودافعاً للتلاقي من اجل القضايا الأخرى، التي تشغل مجتمعاتنا ودولنا.  فحينها يصبح في أيدينا كل المبررات، الوطنية والقومية، الشرعية والدينية، القانونية والدستورية، للتصدي لمشاريع العبث بوحدة مجتمعاتنا، ومخططات تدمير دولنا وتمزيق كياناتنا، بل بشكل خاص التصدي لمحاولات الانقضاض على جيوشنا فنتذكر انه لم تكن صدفة أن يكون أول قرار للاحتلال الأمريكي في العراق هو حلّ جيشه الباسل، وتدمير بناه التحتية ومرافقه الأساسية ومعالمه التاريخية، وإطلاق دستور ينكر على العراق عروبته، ويقيم فيه نظام المحاصصة الطائفية، ويشرعن الاجتثاث لينال من حركة عريقة طالما جسدت وحدة العراق وعروبته وتحرره رغم كل ما انتاب مسيرتها من أخطاء وخطايا...

       ألم يكن الذي نفذه المحتل الأمريكي، وبقرار صهيوني، أساساً، في العراق هو ما يسعى المشروع الأمريكي – الصهيوني، وبأدوات متعددة، إلى تنفيذه اليوم في أقطار مركزية كسوريا ومصر واليمن وليبيا، ودائما في فلسطين.

       بل ألم يكن ما شهده لبنان من حرب فيه، وحرب عليه، وما يشهده اليوم من تداعيات لتلك الحرب، هو أحد تداعيات المشروع الصهيوني الذي فجر حرب 1975 باسم مواجهة المقاومة الفلسطينية ليتكشف هدفه الحقيقي بعد عام 1982 وهو تمزيق لبنان وتفتيته وإنهاء وجوده كوطن له رسالته، أو كرسالة تتجسد في وطن...

       بل ألم يكن ما شهدته سوريا، منذ الاستقلال، من مخططات ومؤامرات وأحلاف وصولاً إلى ما تشهده منذ سنوات من حرب كونية تستهدف وجودها ووحدتها ودولتها وجيشها هو ثأر من شعب ما لان يوما، أو هان، في تمسكه بقضية فلسطين، أو بالمقاومة من أجلها.

       ثم ألم يكن ما شهده العراق من حروب واحتلال وتداعياتها يتضح يوماً بعد يوم إنها كانت قراراً صهيونياً نفذته واشنطن وحلفاؤها، انتقاماً من جيش كان في طليعة من يلبي نداء الدفاع عن فلسطين في كل الحروب، ومن شعب ما بخل يوماً في مدّ المقاومة الفلسطينية بكل أشكال الدعم، وفي اقسى الظروف، بل انتقاما ممن كان له شرف المبادرة في تحصين بلده بالعلم والعلماء وشرف المحاولة في بناء مفاعل نووي، وصولا لشرف السبق في اطلاق صواريخ، وصلت للمرة  الأولى، إلى قلب عاصمته تل أبيب.

       ثم ألم يكن ما شهدته الجزائر في "العشرية الدامية" من احتراب أدى إلى سقوط مئات الآلاف من الشهداء، إلا ثمناً لوقفة الجزائر الحاسمة منذ استقلالها دفاعاً عن فلسطين، فاستضافت أول مكتب لحركة "فتح" في أواسط الستينات، وتولى رئيسها الراحل هواري بومدين عبء تمويل صفقات السلاح لمصر من الاتحاد السوفياتي بعد نكسة 1967، وقامت  دولتها بدعم حركات التحرر العربية والأفريقية في مناهضتها للاستعمار.

       هل يمكن أيضاً أن نقرأ ما نراه في مصر من محاولات لزعزعة استقرارها، واستهداف قواتها المسلحة، وضرب اقتصادها، مشروعاً بعيداً عن العداء الصهيوني والاستعماري لمصر وتاريخها المليء بلوحات في مقاومة الغزاة الطامعين بأرضنا العربية، بل بدور مصر في الدفاع لعقود  عن الأمن القومي العربي، وبإصرار قواتها المسلحة، رغم اتفاقيات كمب ديفيد، أن تُبقي في عقيدتها العسكرية الكيان الصهيوني عدواً رئيسياً لمصر، كما بعزم شعبها، بكل قواه وتياراته، على مقاومة التطبيع الشعبي رغم محاولات التطبيع الرسمي.

       حتى ما يجري في اليمن أليس في بعض جوانبه بعض الانتقام الاستعماري والصهيوني من بلد طالما لبى نداء فلسطين من تظاهرات مليونية إلى إرسال مئات المتطوعين الذين جاءوا إلى لبنان خلال الغزو الصهيوني عام 1982، ليدافعوا عن عاصمته وعن المقاومة الفلسطينية، فتوحد أبناء اليمن بشطريه على ارض لبنان قبل أن يتوحدوا في بلادهم.

       وليبيا بوابة مصر الغربية، التي قدّم شعبها الكثير من أجل فلسطين على مدى العقود، أليس استهدافها اليوم بفتنة "الناتو" وشركائه هو جزء من "تدفيع الثمن" لمواقف شعبها القومية  خصوصاً بعد أن أصبح شعار "تدفيع الثمن" أكثر من اسم لعصابات المستوطنين المتوحشين المتخصصين بقتل الفلسطينيين، بل بات عنواناً لإستراتيجية يعتمدها المشروع الصهيوني – الأمريكي في كل أقطار وطننا العربي دون استثناء، مستغلاً بنجاح تلك المعادلة الخطيرة التي تحكم امتنا، وهي معادلة الغلو على المستوى الشعبي، والتغوّل على المستوى الرسمي وكلاهما يغذي الآخر.

       وما نقوله اليوم ليس مجرد استنتاجات عقائدية، بل وقائع ثبتتها وثائق صهيونية رأينا بعضها في خمسينات القرن الماضي حول لبنان (مرسلة شاريت = بن غوريون)، ورأينا بعضها الآخر في تسعينات القرن نفسه حول السودان وما بينهما.

       لذلك، فان الخطوة الأولى في رحلة الخروج من العصر الإسرائيلي المتمادي منذ عقود في بلادنا، سواء في مشرق الوطن الكبير أو مغربه هو في إعادة تسليط الأضواء على جرائم الكيان الصهيوني واحتضان نضال الشعب الفلسطيني، المقاوم والمنتفض منذ أكثر من قرن، بل ودعم كل مقاومة لهذا الكيان في أي موقع كان، سواء كانت هذه المقاومة بالسلاح أو الكلمة أو الموقف أو بالثقافة وهي الجذر الأصيل لكل مقاومة، بل بإدراك التكامل بين هذه المقاومات العربية والإسلامية، من فلسطين إلى العراق إلى لبنان ورفض أي ازدواجية في التعامل معها، حيث ندعم الواحدة منها ونهاجم الأخرى، بهذه الذريعة أو تلك.

       إذن، بإعادة التركيز على العدو الرئيسي للأمة، نسقط المحاولات الجارية من اجل استبداله بعدو آخر، أو من أجل نسيانه تماماً في غمرة انشغالنا في صراعات الداخل إلى حدّ أن بعض المتورطين في هذا الصراع لا يجد ضيراً في الاستقواء بهذا العدو على بلده ودولته وجيشه، وهو ما شهدناه في لبنان منذ اندلاع الحرب فيه قبل اربعين عاماً، ليكتشف "المستقوون" إن العدو يستخدم "المستقوين" به لمصلحة أغراضه ومخططاته، ثم يتخلى  عنهم حين يتحولون إلى أعباء عليه ( ومثال جيش لحد واضح).

       وبهذا المعنى أيضاً فقضية فلسطين، بما هي قضية مواجهة للمشروع الصهيوني – الاستعماري بكل تفاصيله وعناوينه، هي قضية داخلية في كل قطر، كما هي قضية أساسية خاصة لكل جماعة أو فئة أو حزب أو مكوّن من مكونات الأقطار. بل ان التركيز عليها لا يعني، أبداً إغفال القضايا الأخرى ذات الأهمية البالغة والتي أدى إهمال  ايجاد حلول لها إلى ما نراه من تصدعات وصراعات.

       ثم إذا كان المشروع الصهيوني – الاستعماري بعنوانه الراهن "الشرق الأوسط الكبير أو الجديد" هو مشروع تفتيت المنطقة بأسرها، فهل يكون الرد عليه بغير الالتفاف حول القضايا التي تجمعنا، وتخرجنا من حال الانقسام التي نعيشها لانهماكنا في الصغائر، وعلى رأس هذه القضايا قضية فلسطين وما فيها من مقدسات ودلالات، وهل يمكن المواجهة  التاريخية بغير الثقافة التي توحدنا كمجتمعات وأقطار، ثم كأمة ما قام الكيان الصهيوني أساساً إلا ليشكل حاجزاً بشرياً استيطانياً لتجزئتها بالأمس، ولتفتيتها اليوم.

       وبهذا المعنى أيضاً، ففلسطين باتت قضية الأمة كلها، قضية وحدتها التي لا تقوم النهضة بدونها لذلك كان شعارنا منذ عقود "فلسطين طريق الوحدة، والوحدة طريق فلسطين".

       فلندافع عن أمن كل أقطارنا وعن أمننا القومي، وعن استقرار كل بلادنا ووحدتها الوطنية، من خلال التركيز على فلسطين، قضية وشعباً، مقاومة وانتفاضة، أسرى وشهداء، ونبني حولها وحدة أمتنا كما نبني جبهة عالمية ضد العنصرية الصهيونية والهيمنة الاستعمارية تكون مدخلاً للنضال من اجل عالم أكثر عدلاً وتحرراً وأكثر توازناً وتعدداً، وأكثر إنسانية ومساواة.

 

×
أخبار
هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط