مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

شباب يتحدون الاحتلال بالرياضة والابتسامة ..

وادي النيص: "نقش" الكرة.. و"تمرير" الحجر!

وادي النيص

تاريخ النشر: 2016-03-03 | 12:18

وادي النيص

أمد/ رام الله - بثينة حمدان: هنا تعيش عائلة واحدة تنقل أفرادها من النقش على الحجر وتمريره بين منازل الفلسطينيين بخفة الرياضي، إلى تمرير الكرة نقشاً واحترافاً على مستوى فلسطين. فهم أبطال كأس فلسطين وكأس أبو عمار والدوري الممتاز لسنوات عدة. هو فريق ترجي وادي النيص الذي أضاء بلباسه الأزرق اسم القرية، فصار واضحاً محلياً ومألوفاً على المستوى الدولي.

أطلقت على الفريق ألقاب كثيرة: ملك البطولات، صقور الملاعب، النسر الأزرق.. وغيرها. وبدخول الفريق عهد الاحتراف الذي بدأته فلسطين قبل سنوات قليلة من أجل المشاركة والمنافسة في المباريات الدولية، يبدو أن الاستمرار فيه والفوز والتأهل تعني في عالم الكرة تكاليف مادية لا تستطيع مواكبتها الفرق الفلسطينية مع قلة الدعم المادي.. المادة عقبة في سلم الفوز والصعود!

انطلقت وصديقتي من رام الله يوم السبت والذي عادة ما يكون الأفضل بين أيام الأسبوع للتنقل بين المدن الفلسطينية، فهذا اليوم في الديانة اليهودية يعني التوقف عن العمل وعن الطبخ وحتى تنظيف المنزل، يبقى كل شيء على حاله ويتم تناول الطعام بارداً، ولكن الهدوء نسبي طبعاً تحت الاحتلال الإسرائيلي.

خرجت ورموز ستيتي، وهي صديقتي منذ أيام الجامعة، أم لزينة ومحمد وهي من مدينة جنين، وكعادتها تثير بلبلة الخوف والضحك والمغامرة في آن معاً، فما أن وصلنا من رام الله إلى حاجز الكونتينر الذي يفصل جنوب فلسطين عن شمالها والوسط، حتى بدأت تتوعد أي جندي من جنود الاحتلال إذا ما تجرؤا على إيقافنا أو استجوابنا. وبعد أن مررنا قالت وهي تمزح داخل السيارة المغلقة: «مش تصدقوا.. الحمد لله ما وقفونا!» يمتلئ الحديث بالضحك من رحم المأساة، تابعنا السير في وادي النار التي تتسم بشوارعها الخطرة المنحدرة والملتوية، وصلنا إلى بيت لحم ثم اتجهنا إلى قرية وادي النيص.

طريق.. من الدماء

لا نعرف الطريق إلى القرية جيداً، ونشعر بالرهبة لكثرة الأحداث التي وقعت فيها من عمليات طعن ومقاومة للمشروع الاستيطاني المتمثل في سلسلة مستوطنات «غوش عتصيون»، ووجود المستوطنات يعني آلاف السكاكين الاسرائيلية المسلّطة على أبناء القرى الفلسطينية مثل وادي النيص وجورة الشمعة وأم سلمونة والمعصرة.. تذكرنا الطريق بشهداء الهبة الشعبية الذين قضوا هنا: أحمد الكوازبة (18 عاماً) من بلدة سعير قضاء الخليل الذي ترك ينزف حتى الموت، وسام ديرية (21 عاماً) من بلدة بيت فجار، مأمون الخطيب (16 عاماً) من بيت لحم.. وشهداء آخرون في منطقة مكونة من خطوط النار.

على هذا المفرق عند أول إشارة مرور في شارع بيت لحم-الخليل توقفنا، لا نعرف أين نذهب، الطريقان إلى اليمين وإلى اليسار يبدو أنهما تؤديان إلى وادي النيص، برج المراقبة العسكري أمامنا، وخلال ثواني التفكير للاختيار بين الطريقين، فتح الجندي على البرج النافذة، أطلقت صديقتي صوتها: هلء بيرمي السكين وبيطخنا!

ابتسمت وقبل أن نصبح موضع شبهة، اتجهت إلى اليمين حيث إشارة مرور أخرى، ثم إلى اليسار وتوقفنا لنجري اتصالاً للتأكد من الطريق. تابعنا السير، فكان بانتظارنا محمد أبوعرام الناطق الإعلامي باسم فريق ترجي وادي النيص.

شر البلية

نسجت وصديقتي قبل الوصول إلى القرية قصصاً خيالية عن موتنا المحتمل، كانت رموز تفتتح وتضع عنواناً عريضاً عن مقتل فتاتين لمحاولتهما طعن جندي قرب مستوطنة «غوش عتصيون»، فقلت: سيعرفون من المسجل الذي لدي أنني قابلت شخصيات مهمة في بيت لحم. فعلقت رموز: كل الشخصيات الموجودة على المسجل ستصبح موضع شبهة. أكدت لها أن شكلنا لا يوحي بهذه البطولة (لاسيما وهي تضع وشاحاً جميلاً وترتدي جاكيتاً من الجلد). فأجابت: الكل سيصدق، لأنه ما داعي لوجود فتاتين من رام الله في هذه الطريق.. لا مبرر أبداً لوجودنا! فقلت لها: إذن لنسجل وصيتنا.

كانت منازل المستوطنة قريبة جداً إلى الشارع، بل وقريبة منا، وهذه هي بوابة المستوطنة على بعد أمتار، بينما في العادة تكون المستوطنات على التلال، لكن تجمع غوش عتصيون توسع كثيراً ولا نعرف إلى أين سيصل وكم سيصادر بعد، وهو حالياً يضم 22 مستوطنة فيها أكثر من سبعين ألف مستوطن وهي مقامة على أراضي جبل الخليل، وطبعاً غير شرعية ولا بأي شكل من الأشكال!

إطلالة القرية

سرنا بالسيارة خلف محمد أبو عرام، فكانت البداية عند ملعب كرة القدم الواقع على مرتفع نطل منه على جمال القرية وعلى المستوطنات غير الشرعية المحيطة. استقبلنا مجموعة من اللاعبين الذين أصبحت البدلة والحذاء الرياضي زيهم الاعتيادي وليس فقط الرسمي. أشار محمد إلى المنخفض المليء بالأشجار وأوضح أن اسم القرية يعود إلى حيوان النيص، ويسمى أيضاً «الشيهم»، وهو عائلة من القوارض يتميز شكله بغطاء من الأشواك يدافع بها عن نفسه من الحيوانات المفترسة، ويتغذى على أوراق الشجر والأعشاب والنباتات الخضراء.

ثم سرنا بضع خطوات إلى المقر الجديد للنادي الذي هو في طور التأثيث، وما إن فتح الباب حتى لفحتنا كتلة هواء باردة من بقايا منخفض ثلجي ذاب قبل يومين. كانت أولى مراحل التأثيث هذه الواجهة من الكؤوس ودروع الفوز.

قرية «العائلة الواحدة»

تتبع القرية لمحافظة بيت لحم وتبعد سبعة كيلومترات عن مركز مدينة بيت لحم، ويعود تاريخها إلى أكثر من ألف عام. لها مجلس قروي تأسس عام 1996، ويبلغ عدد سكانها نحو 900 نسمة ينتمون كلهم إلى عائلة واحدة هي «أبو حمّاد» يتفرغ عنها أكثر من مئة عائلة. هناك جامع أبو بكر الصديق الوحيد في القرية، وهنا تقع المدرسة الوحيدة، وهي مختلطة وتدلل الاحصاءات على تراجع الإقبال على التعليم كلما اقتربنا من الثانوية والدراسات الجامعية، فالأغلبية وبنسبة %60 هم عمّال في السوق الاسرائيلي، يليه العمل في الصناعة، ثم العمل في قطاع الزراعة.

أينما ذهبنا في القرية شاهدنا سلسلة من أربع مستوطنات تحيط بها، صادرت نحو ثلاثة آلاف دونم منها، عدا أن اراضي وادي النيص مصنفة ضمن الفئة ج، أي تحت السيطرة الاسرائيلية، وقد تعرضت منازلها لاخطارات بالهدم بحجة البناء من دون ترخيص، فهنا لا يمنح الاحتلال الاسرائيلي الترخيص أصلاً ويمنع البناء ويخالف السكان! (عجيبة)

فريق كرة القدم.. لا مثيل له

في الجهة الأخرى من القرية ذهبنا لمشاهدة ملعب كرة القدم الثاني، وإلى اليسار منه تقع جمعية وادي النيص الخيرية، وتضم صالة أفراح وروضة للأطفال وعيادة طبية وقاعة تضم أجهزة الحاسوب. هنا بدأ محمد الحديث عن قصة الجد أبو علي، عاشق لعبة كرة القدم، والذي كان لديه أحد عشر ولداً وبنت واحدة، لاحظ حب أبنائه للعبة فقرر عام 1984 انشاء فريق يضم أبناءه. اليوم يتابع المسيرة الأحفاد وأولاد العمومة، الا ان ظروف الاحتلال والانتفاضة الأولى وحرب لبنان وعدم الاستقرار منعت تنظيم دوري لكرة القدم، لكن بعد قيام السلطة الفلسطينية وفي عام 1998 كانت الانطلاقة الرسمية للفريق الذي لا يشبهه فريق. وهنا انتقلنا إلى المقر القديم والحالي للنادي ريثما يستكمل المقر الجديد.

رحلة الحجر.. إلى احتراف الكرة

وقفنا بين مصنع الحجر والرخام ومقر النادي، هؤلاء العمال الذين يدقون الحجر ويعملون في هذه الصناعة الثقيلة، هم أعضاء فريق ترجي وادي النيص لكرة القدم، ألقينا التحية ودخلنا النادي، شربنا كوباً من الشاي برائحة الحجر، فالرجل معد الشاي يبدو أنه يعمل بين المصنع والنادي، الخدمة واحدة لكن الهدف مختلف.

محمد وعاطف أبو حماد المدير الإداري للفريق ومشرف على موقع koora المعروف تحدثا عن الفريق الذي شارك في أول بطولة محلية عام 1998 وفاز بها، عدا عن بطولاته في الدوري الممتاز، وفوزه بكأس فلسطين، وهي بطولة تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، وحصل على كأس أبو عمار أربع مرات، وهي بطولة من دون القطاع لصعوبة مشاركتها بسبب الحصار، وكان عام 2008 منعطفاً مميزاً، حيث كانت أولى مشاركاته الخارجية وحصوله على كأس التحدي على المستوى العربي، ثم شارك بكأس الاتحاد الآسيوي.

العديد من لاعبي النادي أعضاء في المنتخب الفلسطيني، ومنهم الحارس توفيق أبو حماد، عدا عن الاحتراف في أندية عربية مثل أشرف نعمان في السعودية والأردن.

استقبال الأبطال

تستقبل الجدة أم علي الأبطال وكل نساء القرية بالزغاريد، ما ان يصلوا عائدين من مباراة حتى تزين النساء والأطفال البلدة بأجمل إنارة وأشهى الوجبات وعلى رأسها المنسف، لكن يا ويلهم من الخسارة، فالجدة لا تقبلها أبداً، ويقضي أعضاء الفريق أياماً في محاولة نيل رضا الجدة. لكن النادي الذي أضيف إلى اسمه كلمة «ترجي» نسبة للفريق التونسي باتفاقية توأمة لم تنفذ بسبب ظروف الثورة في تونس، لم يعد يحتمل تكلفة الفوز والتأهل للعب دوليا، وهذا حال الفرق المحلية الأخرى، فالفوز يعني تكبد عناء تكاليف المشاركة الدولية وتكاليف استقبال فرق دولية، بينما موارد القرية شحيحة وتقف عائقاً أمام أي فوز قادم. فهل تدرك الجدة ذلك؟

وأخيراً غادرنا المكان محملين بنهار القرية الذي يبدأ بركض لاعبي القرية، وينتصف بممارسة الأطفال هواية كرة القدم في كل شبر فيها، وفي المساء ينتظر الجميع ذكوراً وإناثاً المباراة، وفي الكواليس اضطر الفريق الذي أغلق حاجز «الكونتينر» أمامه للسير أربع ساعات بين الجبال من أجل الوصول «منهكين» الى مباراتهم المنتظرة.

فرحة الفوز لجماهير القرية

صورة للكؤوس في مقر النادي

عن القبس الكويتية

×
أخبار
قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط