تاريخ النشر: 2026-10-09 | 21:45
تاريخ النشر: 2026-10-09 | 21:45
نيويورك: سجلت حركة الهجرة من وإلى إسرائيل تحولاً ديموغرافيًا واجتماعياً حاداً ومزدوجاً بين عامي 2023 و2026. ففي الوقت الذي غادر فيه نحو 270 ألف مواطن إسرائيلي البلاد خلال ثلاث سنوات – وهو أعلى رقم مغادرة على الإطلاق يستنزف الأطباء والمهندسين وحملة الدكتوراه فيما وصفه نواب إسرائيليون بـ«التسونامي» – كشف تقرير صادر عن صحيفة «وول ستريت جورنال» للكاتبة أنفي بوتاني عن موجة هجرة معاكسة تخوضها فئة مميزة من الشباب اليهود الأمريكيين الذين قرروا الاستقرار في إسرائيل والالتحاق بالجيش وتأسيس أسرهم في بلد يخوض حرباً مفتوحة.
وتتوقع منظمة «نيفيش بنيفيش» المتخصصة في تسهيل هجرة يهود أمريكا الشمالية أن يكون عام 2026 أحد أقوى أعوامها منذ تأسيسها عام 2002، بتقديرات تتجاوز 4,000 مهاجر متوسط أعمارهم 29 عاماً. ويأتي هذا الصعود المستمر مقارنة بالسنوات السابقة؛ حيث بلغ عدد المهاجرين الأمريكيين 2,682 في عام 2016، ثم شهد انخفاضاً تدريجياً ليرتفع مجدداً إلى 3,480 في عام 2021، واستقر عند 2,413 في عام 2023 مع بدء الحرب، قبل أن يقفز إلى 2,864 عام 2024، ويصل إلى 3,781 عام 2025، متجهاً لنصاب قياسي جديد في عام 2026.
تشهد موجات الهجرة المعروفة بـ«العاليا» (وهي كلمة عبرية تعني الصعود وتستند إلى «قانون العودة» الذي يمنح الجنسية لكل يهودي أو من يمتلك جداً يهودياً) صعوداً نوعياً وأيديولوجياً.
ويرى عالم الاجتماع في جامعة تل أبيب ليئور يوحناني أن ملامح متطوعي الشتات شهدت تحولاً بنيوياً؛ فقبل هجوم 7 أكتوبر 2023، كان أغلب المتطوعين من الشباب الذين يفتقرون للاتجاه الواضح أو يبحثون عن تجارب شخصية. أما اليوم، فقد أدت أهوال الحرب وتصاعد مظاهر معاداة السامية في الخارج إلى دفع فئات أكثر تددّناً وذات دافعية أيديولوجية عالية نحو الهجرة. وفي المقابل، أظهر التقرير أن جزءاً آخر من المهاجرين الجدد يتجنبون الخدمة العسكرية ويركزون على الفرص الأكاديمية والمهنية، مستفيدين من قيام الجامعات البحثية الإسرائيلية بمضاعفة برامجها الموجهة للطلاب الدوليين الناطقين بالإنجليزية.
يعكس التقرير تنوع تجارب المهاجرين الأمريكيين الجدد ودوافعهم للعيش في مجتمع يعاني أزمات متعاقبة:
يوخيفيد روتنبرغ (25 عاماً): تركت عملها في تكساس إثر هجوم 7 أكتوبر لتصل تل أبيب بـ 23 حقيبة من المستلزمات العسكرية، وساهمت في تأسيس «شبكة متطوعي السيوف الحديدية» لتوجيه عشرات آلاف المتطوعين، واختارت الاستقرار الدائم والحصول على الجنسية رغم عدم إتقانها العبرية.
مايرون شنايدر (33 عاماً): هاجر رسمياً للالتحاق بوحدة قتالية في الجيش وخدم نحو 500 يوم في احتياط غزة والضفة الغربية والحرب مع إيران، مشيراً إلى الضريبة الاقتصادية والمهنية القاسية التي تدفعها فئة المقاتلين، والتي أدت لفصله من عمله في تل أبيب.
سارة سرفاتي (25 عاماً): قادمة من نيويورك لمتابعة الماجستير والعمل في مركز أبحاث، وتدعو إلى النظرة الناقدة والواقعية لإسرائيل بعيداً عن «المثالية المفرطة» التي يروج لها الأرثوذكس المتدينون في الخارج.
إيف كارلين (38 عاماً): تركت مجال اللياقة البدنية في لوس أنجلوس لتستقر قرب تل أبيب وسط تساقط الصواريخ، مستخدمة شبكات التواصل الاجتماعي لنقل تجربتها وتدفيز أقرانها على الهجرة.
يتقاطع تقرير «وول ستريت جورنال» مع بيانات استطلاع حديث لمركز «بيو» للأبحاث أظهر تفاقم الانقسام غير المسبوق بين يهود أمريكا بشأن إسرائيل وعملياتها العسكرية، إلى جانب تراجع حاد في نسبة الثقة برئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لدى الأغلبية العظمى منهم.
ويرسم التقرير دلالة رمزيّة متناقضة؛ فرغم الزخم الإعلامي والأيديولوجي لهجرة بضعة آلاف من الشباب الأمريكيين، إلا أن هذا التدفق لا يغطي سوى نسبة ضئيلة جداً أمام الهجرة العكسية لـ 270 ألف إسرائيلي من النخب العلمية والطبية والتقنية. ويؤكد هذا الخلل الميداني أن ميزان الهجرة يميل لصالح الخسارة الديموغرافية والنوعية لمؤسسات الدولة، بالتوازي مع تحول المهاجرين الأمريكيين الجدد نحو التيارات الأسرع تددّناً وأكثر يمينية في المشهد السياسي الإسرائيلي.