مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

نَزْعُ السِّلَاحِ فِي غَزَّةَ… بَيْنَ هَوَاجِسِ الأَمْنِ وَمَخَاوِفِ الاِسْتِسْلَامِ

نَزْعُ السِّلَاحِ فِي غَزَّةَ… بَيْنَ هَوَاجِسِ الأَمْنِ وَمَخَاوِفِ الاِسْتِسْلَامِ

تاريخ النشر: 2026-05-17 | 11:39

إنَّ مطالبةَ إسرائيلَ بتسليمِ سلاحِ حركةِ حماس قبلَ أيِّ التزامٍ واضحٍ ومضمونٍ بالانسحابِ من قطاعِ غزة ليست طرحًا أمنيًا بريئًا، بل محاولةٌ لفرضِ استسلامٍ سياسيٍّ كاملٍ تحت عنوان “الترتيبات الأمنية”. فالمنطقُ السليمُ يقول إنَّ نزعَ السلاح لا يسبقُ إنهاءَ الاحتلال، ولا يتمُّ في ظلِّ استمرارِ القواتِ الإسرائيلية داخلَ القطاع، ولا تحتَ التهديدِ باستئنافِ الحرب، وإنما يكونُ جزءًا من تسويةٍ سياسيةٍ شاملة، بضماناتٍ دولية، وانسحابٍ كامل، ورفعٍ للحصار، وترتيباتٍ أمنيةٍ متبادلة، ومرجعيةٍ وطنيةٍ فلسطينيةٍ جامعة.
إسرائيلُ تريدُ أن تأخذَ الثمنَ مُقدَّمًا، ثم تتركَ للفلسطينيين وعودًا مؤجلةً قابلةً للتنصل. وهذا ما يجعلُ الطلبَ مرفوضًا سياسيًا وأخلاقيًا؛ لأنَّ السلاحَ في التجربةِ الفلسطينية لم ينشأْ في فراغ، بل في سياقِ احتلالٍ وحصارٍ وغيابِ ضماناتٍ حقيقيةٍ للأمنِ والحرية. فالتجاربُ القاسيةُ لا تجعلُ الشعوبَ تتشبثُ بالسلاحِ حبًّا فيه، بقدرِ ما تجعلُها تخشى التخلّي عنه قبلَ أن ترى ضماناتٍ حقيقيةً للأمانِ والعدالةِ وعدمِ تكرارِ المأساة.
ولعلَّ ما يدفعُني إلى الكتابةِ في هذا الموضوع تحديدًا، هو كثرةُ ما يُثارُ حوله في وسائلِ الإعلام العربية والدولية، وكأنَّ قضيةَ سلاحِ المقاومة يمكن اختزالُها في قرارٍ إداريٍّ أو إجراءٍ أمنيٍّ معزولٍ عن سياقِ الحربِ والاحتلالِ والحصارِ الممتدِّ لعقود. وفي تقديري، فإنَّ كثيرًا من الطروحاتِ المتداولة تتجاهلُ حقيقةَ الموقفِ الذي تنطلقُ منه حركةُ حماس، والذي لا يقومُ – كما يُروَّج أحيانًا – على رفضِ أيِّ مقاربةٍ سياسيةٍ أو أمنية، وإنما على رفضِ تحويلِ “نزعِ السلاح” إلى عنوانٍ لاستسلامٍ سياسيٍّ كاملٍ يُجرِّدُ الفلسطينيين من عناصرِ القوةِ والردعِ قبلَ الوصولِ إلى تسويةٍ عادلةٍ ومضمونة.
فحماس، ومعها قطاعٌ واسعٌ من الفلسطينيين، ترى أنَّ أيَّ نقاشٍ جادٍّ حول مستقبلِ السلاح يجبُ أن يأتي ضمنَ مسارٍ سياسيٍّ شاملٍ يتضمَّن وقفًا نهائيًا للحرب، وانسحابًا إسرائيليًا كاملًا من قطاعِ غزة، ورفعًا للحصار، وإعادةَ الإعمار، وبناءَ مرجعيةٍ وطنيةٍ فلسطينيةٍ جامعة، مع وجودِ ضماناتٍ عربيةٍ ودوليةٍ مُلزِمة تحولُ دون العودةِ إلى الاغتيالاتِ أو إعادةِ الاحتلالِ أو إدخالِ القطاعِ في حالةِ فوضى أمنيةٍ وانهيارٍ داخلي.
وقد أثبتت تجاربُ التاريخِ الحديث أنَّ الشعوبَ التي تعرَّضت للاحتلالِ والحروبِ والمجازر لا تنظرُ إلى قضيةِ السلاح بوصفِها مجردَ بندٍ تفاوضي، بل باعتبارِها مرتبطةً بسؤالِ الوجودِ والأمنِ الجماعي. ولذلك تبدو المخاوفُ الفلسطينيةُ من تسليمِ السلاح قبلَ وجودِ ضماناتٍ حقيقية مخاوفَ مفهومةً في ضوءِ الذاكرةِ التاريخية الممتدة منذ مجزرةِ دير ياسين عام 1948، مرورًا باحتلالِ غزة خلالَ العدوانِ الثلاثي وما رافقه من مجازرَ وانتهاكاتٍ في رفح وخانيونس، وفي نفسِ العام، وبتاريخِ 12 نوفمبر/تشرين الثاني، وقعت أحداثُ المدرسةِ الأميرية في رفح، وصولًا إلى مجزرةِ صبرا وشاتيلا عام 1982، التي وقعت بعد خروجِ قواتِ منظمةِ التحريرِ الفلسطينية من لبنان ضمنَ تفاهماتٍ وضماناتٍ دولية لم تمنعْ وقوعَ المذبحة.
ومن هنا، فإنَّ جوهرَ الموقفِ الفلسطيني لا يتعلقُ فقط بالسلاحِ بحدِّ ذاته، بل بالسؤالِ العميق: ما الذي يضمنُ ألّا تتكررَ المآسي إذا جرى التخلي عن عناصرِ القوة كافة دون اتفاقٍ سياسيٍّ عادلٍ وضماناتٍ دوليةٍ مُلزِمة؟
كما أنَّ من المخاوفِ التي تجعلُ حماس تترددُ في مسألةِ نزعِ ما تبقّى لديها من سلاح، ليس فقط غيابُ الضماناتِ المرتبطةِ بالانسحابِ الإسرائيلي أو إنهاءِ الحرب، بل أيضًا الخشيةُ من انزلاقِ قطاعِ غزة إلى حالةٍ من الفوضى والانفلاتِ الأمني في ظلِّ غيابِ سلطةٍ وطنيةٍ قادرةٍ على حفظِ الأمنِ والنظامِ العام. فالحروبُ الطويلةُ وما خلّفته من انهيارٍ في البنيةِ الأمنيةِ والاجتماعية تفتحُ البابَ أمام احتمالاتٍ خطيرة، خصوصًا مع الحديثِ عن مجموعاتٍ محليةٍ مسلحة أو تشكيلاتٍ تدعمها إسرائيل بصورةٍ مباشرةٍ أو غير مباشرة.
ومن هنا تخشى حماس، ومعها شريحةٌ واسعةٌ من الشارعِ الفلسطيني، من أن يؤديَ أيُّ فراغٍ أمنيٍّ مفاجئ إلى صداماتٍ داخلية، أو إلى عملياتِ انتقامٍ واغتيالاتٍ تستهدفُ ما تبقّى من قياداتِ المقاومة وكوادرها، بما يعيدُ إنتاجَ مشاهدِ الفوضى والاقتتالِ الداخلي التي عرفتها تجاربٌ عربيةٌ وإقليميةٌ أخرى. وبالنسبةِ لكثيرٍ من الفلسطينيين، فإنَّ قضيةَ السلاح لا تُختزلُ فقط في بعدها العسكري، بل ترتبطُ أيضًا بسؤال: من الجهةُ التي ستتولى حمايةَ المجتمع ومنعَ الانهيارِ الأمني إذا انسحبت إسرائيل أو تراجعَ حضورُ الفصائلِ المسلحة دون وجودِ إطارٍ وطنيٍّ جامعٍ وقوةٍ أمنيةٍ موحدةٍ تحظى بالإجماعِ والثقة؟
وفي هذا السياق، تبدو تجربةُ اتفاقيةِ الجمعةِ العظيمة في أيرلندا الشمالية جديرةً بالتأمل؛ إذ لم يُطلبْ من الجيشِ الجمهوريِّ الأيرلندي تسليمُ سلاحِه قبلَ الاتفاق، بل جاء ملفُّ نزعِ السلاح تدريجيًا بعد مسارٍ سياسيٍّ شاملٍ تضمَّن شراكةً سياسية، وإصلاحاتٍ أمنية، وضماناتٍ دولية، وبناءَ ثقةٍ متبادلة. ومن الجديرِ بالذكر أنَّ عمليةَ نزعِ السلاح هناك استغرقت ما يقاربُ سبعَ سنوات؛ فقد وُقِّعت الاتفاقيةُ عام 1998، بينما أُعلن استكمالُ تفكيكِ ترسانةِ الجيشِ الجمهوريِّ الأيرلندي عام 2005، وذلك في ظلِّ وجودِ إشرافٍ دولي وتعزيزٍ مستمرٍّ للضماناتِ السياسيةِ والأمنية على الأرض.
وهذه التجربةُ تعكسُ حقيقةً مهمةً في إدارةِ النزاعاتِ الممتدة، وهي أنَّ نزعَ السلاح لا يتمُّ عبرَ الإملاءاتِ أو تحتَ ضغطِ القوةِ العسكريةِ وحدها، بل من خلالِ مسارٍ سياسيٍّ متدرجٍ يشعرُ فيه الطرفُ المعنيُّ أنَّ هناك ضماناتٍ حقيقية تحولُ دون العودةِ إلى الحربِ أو الانتقامِ أو الإقصاءِ السياسي.
وعليه، فإنَّ مطالبةَ شخصياتٍ دولية، مثل نيكولاي ملادينوف، لحماس بتسليمِ سلاحها، بينما لم تكتملِ المرحلةُ الأولى من التفاهمات، ولم يتحققِ الانسحابُ الإسرائيليُّ الكاملُ من قطاعِ غزة، تبدو بالنسبةِ لكثيرٍ من الفلسطينيين مطالبةً تفتقرُ إلى التوازنِ السياسي والواقعيةِ العملية. فالقضيةُ ليست مجردَ سلاح، بل أزمةُ ثقةٍ عميقة مع تجربةٍ طويلةٍ من الاحتلالِ والحروبِ والانهياراتِ المتكررةِ للضماناتِ الدولية.
لذلك، فإنَّ أيَّ نقاشٍ جادٍّ حول مستقبلِ السلاحِ في غزة ينبغي أن يكون جزءًا من رؤيةٍ سياسيةٍ وأمنيةٍ متكاملة، تتضمن: وقفَ الحرب بصورةٍ نهائية، وانسحابًا إسرائيليًا كاملًا وواضحًا، ورفعَ الحصار، وإعادةَ الإعمار، وبناءَ مؤسساتٍ أمنيةٍ فلسطينيةٍ موحدة، ومنعَ أيِّ تشكيلاتٍ مسلحةٍ خارجةٍ عن الإجماعِ الوطني، إضافةً إلى ضماناتٍ عربيةٍ ودولية تحولُ دون العودةِ إلى الاغتيالاتِ أو الفوضى أو إعادةِ الاحتلال.
ومن دونِ ذلك، يبقى الخوفُ قائمًا لدى قطاعاتٍ واسعةٍ من الفلسطينيين من أن يتحولَ “نزعُ السلاح” إلى مدخلٍ لفراغٍ أمنيٍّ خطير، لا إلى بوابةِ استقرارٍ وسلامٍ حقيقي.

×
أخبار
شلومو بن عامي: لا حل للدولتين في الأفق وإسرائيل تعيش واقع الأبرتهايد تحقيق استقصائي: ضربات إيرانية دقيقة تمزق بنى تحتية بالخليج لتقوض أهداف الحرب الأميركية يائير غولان: نتنياهو تجاهل التحذيرات الأمنية قبل 7 أكتوبر وانشغل بالانقلاب القضائي «ذا نيويوركر»: ترامب يواجه احتمال خسارة الكونغرس وانحسار سلطته قبل الانتخابات النصفية عبري: إسرائيل ترفع التأهب تحسبًا للتصعيد وتستبعد ضربة لإيران قبل الانتخابات تحدياً لشروط بن غفير.. نتنياهو يعلن احتفاظ "الليكود" بوزارتي الجيش والأمن القومي إيفون عبد الباقي المرشحة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة: المنظمة فقدت بوصلتها.. والسلام هدفها الضائع الخزانة الأمريكية تقر عقوبات جديدة مرتبطة بإيران بينها بنوك عراقية ترامب يكشف كواليس حصول أميركا على الطائرة القطرية شاهين طالبت اتخاذ خطوات جدية لوقف المشاريع الاستيطانية ومخططات الضم لإقامة دولة فلسطين بعد رفض شعبي..ترامب يرفض البث الحي لإعدام نضال حسن عناصر من اليمين المتطرف يقتحمون مقر الحملة الانتخابية للقائمة المشتركة دبلوماسيان أمريكيان يحذران: تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل يهدد مكانتها الاستراتيجية ووجودها باهتة وغير حاسمة.. خبير بريطاني يحلل أسباب تعثر القوة الجوية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران "خسائر بمئات المليارات": تحولات ديموغرافية تهدد الاقتصاد الإسرائيلي ليبرمان يرفض دعم حكومة أقلية ويتعهد بائتلاف "صهيوني حصراً" استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان نتنياهو: أمليت موقفي على الشرع في مكالمة قصيرة وواضحة لوقف استهداف الدروز في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل مجلس السلام يعلن استكمال آليات الرقابة والمعايير المالية لتنفيذ خطة غزة السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط