مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

نحيب الليْلك

نحيب الليْلك

تاريخ النشر: 2021-09-26 | 20:22

تحت نافذة غرفتها في الحوش الكبير؛ تتأمّلُ "حكيمة" زهرة الليلك... يُخيّلُ إليها أنّ شيئاً ما قد خدش جمال هذه الزهرة... تبدو ذابلة، منكمشة، حبَسَتْ عِطرَها... توّجتْها غمامة حزن، تسلّلتْ بين تجاويفها؛ فإذا بالعُنق الدَّقيق القصِير يلْتوي؛ ليميلَ على حوَافِّ الإناء الكبير.. تساءلت "حكيمة" بدهْشة المَذهول:  ماذا جرى...؟!

اقتربتْ الفتاة تحاول تعْديل العُنق الدّقيق... يتملّص العُنق من بيْن أناملها الرّقيقة، تنْتقل أناملها إلى أعْناق أخرى مائلة، غير أنَّها تفلُتُ منها كلها؛ وكأنّها تُقاوِم... وكأنَّها تحْتجّ... وكأنّها تحْمي نفسها بِالِانْفِلاتِ من أيْدِي البَشر... وبيْنما تسيرُ نحْوَ أصيصٍ آخر؛ تتفقد أزهاره، تتجمّد "حكيمة" في مكانها وهي تسمع نحيب الليْلك على وَقْعِ نايٍ بعيد... ناي؛ ربما يكون قدْ صُنِع في زمَنٍ ما؛ من خشبِ الشَّجرَةِ الأمّ... تتعالى ألحان الناي الحزين... يرتجّ المكان... تلتفت "حكيمة" يميناً وشمالاً... يختلط خوفها بحيْرَة تخْميناتِها... "هلْ أصْبحَ المكانُ مسْكوناً؟"  تسْرَحُ بِعَيْنيْها الجَميلتيْن في الأرْجَاء... تعُودُ لتُنْصِتَ لهَذا النّايِ العَجيب وهي تتحسَّسُ الجبينَ المُتلألئ بقطراتِ العَرَق... تتحرّك قدماها ببطء شديد نحو بقية الأزهار... يُذْهلها المنظر... كلها اتشحتْ بالسواد... كلها التفّتْ في طقس مهيب؛ حول زهرة – كانتْ فيما مضى بنفْسَجِية اللوْن – تُلاحِظ "حكيمة" تسَارُعَ نزِيف الزّهْرة على الجَنَبَات... تتجمّدُ القدمان داخل الشبشب التقليدي المزركش... تشعر الفتاة بدوار؛ ينتهي بسقوطها على الأرض... تسمع أختها الضجة في الحوش، تُهرْوِل...تتفاجأ بحالِ أختها، تجري نحو الحنفية، تمْلأ إناءَ ماء، ترشُّ وجْه الفتاة المُمَدّدة على الأرْض، تُنادي أّمّها، يَلتفُّ الجميع حوْل "حكيمة" التي بدأتْ تصحو مِنْ إغْماءَتِها المُفاجِئة.... تطلبُ كأس ماء وهي تحاوِلُ القيام؛َ فالجُلوسَ مُتّكِئة على كتِفِ والدتِها.... ينْعَقدُ لِسانُ الجَميع عِنْدَما تبْدأ الفتاةُ بالحَكْي بعد سَهْوٍ طوِيل....

يرجع اهتمامُ "حكيمة" بأزْهار الليْلك إلى زَمَن بعيد... يوم أهداها تلاميذها مع نهاية الموسم الدراسي؛ باقة أزهار زاهية الألوان.... وبين الزهرة والزهرة ثبّتوا قُصاصاتٍ ورَقية؛ دَوّنُوا عليها مشاعِرَهُم النّبِيلة، ومنْهُم منِ اكتفى بِاسْتعارة أبْياتٍ شِعْرية، دوّنَها بِخَطٍّ رفيع، وأهْداها بكلّ براءة؛ إلى مَنْ علّمتْهُمْ تذوُّقَ الجَميل...

تعهّدتْ "حكيمة" أزْهارَها بحُبٍّ وعِناية... بدأتْ تقرأ خصائص هذا النّوع وتبْحَثُ وَتُقارِنُ وتجْمعُ المعْلوماتِ؛ اسْتعداداً لتخْصِيص مِساحةٍ منَ الحوش لروْضة غنّاء؛ فكان أنْ رسمتْ مُربّعاً جانبياً، مَلأتْهُ بالأصائص المُختلفة الأحْجام، وخصّصتْ كلَّ أصيصٍ لِلوْنٍ مُعيّنٍ من الأزهار... فتراوحتِ الألوانُ بيْن الأبْيض والبنفسَجي والأرجواني، واختارتْ لوْن الفوشيا؛ لتضعه تحْت نافذة غرفتها المُطلّة على مجموع الحوش.... وَجدَتِ الفتاةُ في هذا المُرَبّع سبيلاً إلى الرّاحَة النّفسية؛ فعكفتْ على رِعَايته وصِيانة جَماله...كانتْ صارمة مع أطفال البيت، توصيهم بعدم الاقترَاب مِن الأزْهار وإلّا سينالون العِقاب... تتذكّر أنّ أحدَهُم تمرّدَ يوْماً؛ فاقتلع عدداً منْها ورَمَاها على الأرْض، وبعْد أنْ وَبّختْهُ "حكيمة" توبيخاً شديداً؛ تحَجّج بأنّهُ كان يبحث عن قطته الصّغيرة المُخْتفية... تظاهرتِ الفتاة بتصْديقه وأوْهَمَتْهُ بأنّها ستُسلّم القطة إلى حديقة الحيوانات؛ إذا ما كرّرَ فِعْلته...

نَدَى الرُّموش...

دمْعٌ يُغافِلُ الرُّموش الطويلة...يسيلُ فوْق خدٍّ أشفق على اللؤلؤ الهارب؛ فتركه ينْسابُ بِهُدوء ثمَّ يتقاطرُ بِسَكينة؛ على صدْرٍ روّعتْه الحُرْقة. صدْمَة المشهد؛ رسّختْ غُصّة  في النفس؛ من المُحالِ مَحْوها... : الزهرة البنفسجية تضربُ نفْسها بأوراقها... يئنُّ العُنُق الصّغير، تتلاحق الضربات... تُصبح وكأنها جَلْدٌ بالسِّياط...تتناثرُ الأوراقُ الضعيفة.... يتصاعد الأنين فيتحوّل إلى صراخ...تتدحْرَجُ الأصائص وكأنّ ريحاً تدفعها... تتشقّق.. تقفز الأزْهارُ واحدة بعد الأخرى، تتحلّقُ حوْل الزّهْرة البنفْسَجِية، تتلاصق الأوْراق بألوَانِها المُخْتلِفة حتّى تُصبح إكليلاً يُطوِّقُ أصيص الزَّهْرة البنفْسَجِية... تتقيّأُ الزّهْرة مَرَارَتَها... وبصَوْتٍ مبْحوح؛ نهشتْه الغُصّة، تناثرتِ الكلمات مصحوبة بالآهات...

حُمّى الطبيعة... على لسان الزهرة....

بشرٌ هذا أمْ حَجر....! يدقُّ المسْمار في عُنق الفرح.. يسْرِق ِمنَ الطبيعة أُنْسَ الوَهج...! بشرٌ هذا أمْ حَجَر....! يسْتقوي على الطيْر والشجَر... والتُّرْبِ والزهر... ينْتشي بمجْزرَة العُشْبِ، يْملأُ ِجرار النّشْوة بدْمع الياسمين وعويل الأقحُوان، ونُواح ورَق الزَّيتون... يمْلأ الجِرارَ بالهشيم والحطام وصُراخ الأغْصان الغارِقة في اللهَب...!

بشرٌ هذا أمْ حجر..! أبَاد أهْلي في الغاب... لوّثَ عِطري وعِطرَ الأتْرَاب... أحْرَق غطائي، انْتهَك سِتْري وَفكَّ أزْرَارِي...  قصَّ أجْنِحَة عصَافيري، خنَق فرَاشاتي، اسْتباحَ شهْدَ نحْلي، سوّدَ سمائي، فتعالى الدُّخانُ وكأنّه القطِرَان يُلاحِقُ أنْوَارِي...

بَشرٌ هذا أمْ حَجَر...! يتفنّن في الخِذلان، يقطع طريق الأحلام، يطمس سحري وقد أهديْتُه عَبيرِي وأسعدْتُهُ بِظلّي وهوَائي... بقمري وشمسي... وأنْعَشْتُهُ بِتراتيلِ النّسَمات العابِرَات للجبال، للسّهول، للرّوَابي الزّاهِرات...

أيها البشر...! كمْ شنّفتُ مسامِعَكمْ بِشدْوِ شلّالاتي... كمِ افْترَشْتُمْ بِساط خُضْرتي... كمْ دوّنْتُمْ أحلامَكمْ على وِسادةِ جداولي وأنْهاري... كم سقيْتُ أمانيكم بمِداد غيْثي... كمْ أضأتُ لياليكم بلمَعانِ نجْمي... فألهمتُ خيالاتكم بعقيق سحري وفِتْنة وَحْيِـــي... غدوْتُ قِبْلةَ المُبْدِعِ مِنْكمْ... وملاذ التّائِهِ منْكمْ...هامَ بيَ العارِفون وشارَكوني أسْرارَهُمْ في خلوَاتِهم... قَهرْتُ عقولَ فلاسِفتِكمْ، وأصْحاب الرّأي مِنْكمْ... عجِبْتُ منْ أمْرِكم أيُّها البشر.. ركضْتُ نحْوكمْ؛ أضمِّدُ جراحاتكمْ، ركضْتُ نحوكمْ؛ أوَزّعُ قصائد الأمل والحُبّ والسّلام؛ زرْكشْتُها على أجْنحة الحَمام... عاد إليّ الحمام وقصاصة ملفوفة بشريط رقيق على قدمه...

وراح يركض نحو الناس في ثقة  *****   فصَادهُ الكفُّ رنّاناً على عجل !!

انتفضتْ "حكيمة" وهي ترمي الغطاء جانباً.... نظرتْ إلى المُنبِّه... أيْقنتْ أنّ الصّباحَ لمْ يحُل بعْدُ؛ وأنّ المُنبّه لمْ يدُقْ بعْد... فهمتْ أنّ الكابوس الذي رأتْهُ سيمنع نوْمَها ِمنْ جديد... ذهبتْ لتغْسل وَجْهها وأطرَافها وتتلصَّص على الأصائص... وَجَدَتْها في مكانِها حالمة، سالمة، فوّاحة، تغمُر الحوش بجمالها؛ والنّايُ مِن حوْلها يهْتزّ طرَباً لِنَجَاتِها....!! عادتْ إلى السرير وقد أخذتْ كُنّاشها المليء بما رَقّ وعذب مِنَ المُخْتارات... قرأتْ وقرأتْ حتى سمعتْ أذان الفجر.... استجابتْ لنداء الفلاح.... شعرتْ بِالِانْشراح... تحمّستْ للمزيد من القراءة... وقعتْ عيناها على أبياتٍ، قرأتْها والنعاس يُغالبُها:

أقولُ لِجارَتي والدّمعُ جاري ***** وَلي عزْمُ الرّحيلِ عنِ الدّيار

ذَرِيني أنْ أسيرَ ولا تنوحي ***** فإنّ الشُّهْبَ أشرَفُها السّواري

×
أخبار
تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو الأحمد يبحث مع الاتحاد الدولي للنقابات أوضاع العمال الفلسطينيين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط