مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

نحو دستور فعلي للصمود… وليس ملهاة أخرى

نحو دستور فعلي للصمود… وليس ملهاة أخرى

تاريخ النشر: 2026-02-24 | 11:38

ليست أخطر ما يواجه الشعب الفلسطيني اليوم شراسة العدوان وحدها، بل تآكل القدرة الوطنية على تنظيم الصمود وتحويله إلى مشروع نهوض. نحن أمام لحظة يختل فيها ميزان القوة وميزان المعنى معاً: حين يصبح المتهم بجرائم إبادة شريكاً في تحديد مصير ضحاياه، وحين تتحول «المساعدات» إلى أدوات ضبط سياسي لا إلى مدخل لاستعادة الكرامة والسيادة.

في الضفة الغربية يتسارع ابتلاع الأرض، وتتكرس وقائع دولة المستوطنين تحت حماية جيش الاحتلال، فيما يتنازع صانع القرار في تل أبيب بين خيارين: تفكيك السلطة دفعة واحدة، أو إبقاؤها ضعيفة مستنزفة تؤدي وظائفها الأمنية والإدارية ريثما يُستكمل تفكيك القضية الوطنية على مهل. في كلا الخيارين، لا مكان لسلطة ذات مضمون وطني سيادي، بل لوظيفة مؤقتة في نظام دائم من الاعتمادية.

أما في غزة، فالمفارقة الأخلاقية أكثر فجاجة: إسرائيل، المتهمة بجرائم إبادة أمام محاكم دولية، تجلس عملياً في مقعد تحديد مسار القطاع ومصيره. تُمسِك بالمعابر، وتتحكم بالإغاثة، وتقرر إيقاع الإعمار، فيما يُطلب من الفلسطينيين أن يقبلوا بإدارة تحت سقف التحكم الإسرائيلي المباشر أو غير المباشر.

هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ«فتات الترتيبات الإدارية» الذي تقدمه واشنطن للسلطة. الحديث لا يدور عن تمكين سياسي حقيقي، ولا عن سيطرة على المعابر، ولا عن قرار مستقل في الإعمار أو الأمن، بل عن أدوار تنسيقية محدودة تُستعاد عبر قنوات  «مكتب ارتباط ملادينوف»، وهي مجرد واجهة إدارية بلا سيادة، ودور رمزي يُمنح للقول إن «السلطة موجودة»، فيما يبقى القرار الفعلي في يد الاحتلال.

هذا ليس حلاً انتقالياً، بل إعادة إنتاج لوظيفة وسيطة بين الاحتلال والمجتمع الدولي، تُدار تحت عنوان «الاستقرار»، بينما يُفرغ الاستقرار من شرطه الأخلاقي: العدالة.

الأكثر خطورة أن هذا المشهد يترافق مع صمت عربي وإسلامي يقترب من حدود التواطؤ السلبي. لا أحد يعلن صراحة قبول إسرائيل في مقعد تقرير مصير غزة، لكن أحداً لا يضع ثقله السياسي لمنع ذلك. الحسابات الإقليمية، وموازين التحالفات، والخشية من الاصطدام بواشنطن، تجعل كثيراً من العواصم تكتفي بإسناد إنساني محدود لا يمس جوهر المعادلة السياسية.

ومع مضي أربعة أشهر على وقف إطلاق النار، لم يتوقف القتل بالجملة، ولم يدخل إلى غزة ما يليق بكرامة بشر خرجوا من الابادة الجماعية ومن تحت الركام. لا إغاثة كافية، ولا بيت متنقل واحد يعيد الحد الأدنى من الاستقرار. كأن العقاب الجماعي يستمر بأدوات أخرى، وكأن إعادة الإعمار تُستخدم ورقة ابتزاز سياسي لا حقاً إنسانياً أصيلاً.

الأزمة الأعمق: بيع الوهم بدل بناء القوة

في هذا السياق، تواصل القيادة المتنفذة الرهان على تغيُّرات دولية وإقليمية لم تحرك ساكناً أمام قرصنة الأموال، ولا أمام تسارع الاستيطان، ولا أمام إعادة هندسة غزة تحت الوصاية. يُعاد إنتاج خطاب الانتظار، وكأن التحولات الخارجية ستنجز ما عجزنا عن بنائه داخلياً.

لكن الرهان على الخارج، في ظل اختلال ميزان القوى، ليس استراتيجية، بل عادة سياسية. والأسوأ حين يترافق ذلك مع سياسة إقصاء لقوى المجتمع الحية في لحظة تحتاج أعلى درجات الشراكة الوطنية.

الأزمة ليست فقط في ضياع الأرض، بل في تفكك التمثيل. حين يُختزل القرار الوطني في دائرة ضيقة، يفقد النظام السياسي قدرته على الصمود، ويصبح أكثر قابلية للضغط والاحتواء. فالسؤال لم يعد من يحكم غزة؟ بل كيف نصون بقاء شعب ونمنع تصفية قضيته؟

نحو دستور فعلي للصمود

المطلوب اليوم ليس بياناً إضافياً، ولا تسوية تقنية، بل ميثاق أخلاقي سياسي يعيد تعريف الأولويات على قاعدة الكرامة لا الوظيفة، وفقًا للأولويات التالية:

أولاً: أولوية الكرامة على الدور الشكلي
أي قبول بدور إداري منزوع السيادة في غزة، تحت سقف التحكم الإسرائيلي، هو تكريس لتجزئة الوطن لا مدخل لتوحيده، كما أنه لا معني لهذا الدور ما لم يحقق الإغاثة والإعمار وانقاذ حياة البشر .

ثانياً: إعادة بناء التمثيل على قاعدة الشراكة
لا يمكن مواجهة مشروع إحلالي بعقلية احتكار القرار. المطلوب إطار وطني جامع، ولو انتقالي، يضم القوى السياسية والمجتمعية، ويستند إلى برنامج حد أدنى: فك الحصار، حماية الأرض، إدارة شفافة للإعمار، والتحضير لتجديد الشرعية عبر الانتخابات الشاملة.

ثالثاً: تحويل الصمود من رد فعل إلى سياسة
الصمود ليس انتظاراً بطولياً تحت النار، بل تنظيم المجتمع، ودعم القرى المهددة، وتعزيز الاقتصاد المحلي، وبناء شبكات تكافل مستقلة عن مزاج المانحين.

رابعاً: فصل الإغاثة عن الابتزاز
إعادة إعمار غزة حق غير قابل للمساومة، ويجب أن تُدار بآلية وطنية مهنية شفافة تمنع تحويل المعاناة إلى أداة ضغط.

خامساً: نقل مركز الثقل إلى الداخل
ميزان القوة يبدأ من المجتمع: النقابات، الجامعات، القوى الاقتصادية الوطنية، الشتات، والحركات الشعبية. حين تتحول هذه الكتلة إلى قوة ضغط منظمة، يمكن فرض إعادة بناء البيت السياسي.

سادساً : المقاومة الشعبية
إطلاق يد الشعب في الدفاع عن نفسه وحقه في البقاء. هذه ليس مجرد جملة تقال بل استراتيجية عمل تعيد بناء الحالة الفلسطينية انطلاقاً من وظيفتها الجوهرية، وهي تمكين قدرة الناس على الصمود .

الأمل في التجربة الفلسطينية ليس انفعالاً عابراً ولا خطاباً تعبوياً، بل قدرة شعب على استعادة زمام المبادرة حين تضيق الخيارات. فالأمم لا تنقذها التمنيات، وإنما وعيها بذاتها، وثقتها بقوتها الكامنة، وقدرتها على إعادة ترتيب بيتها الداخلي كلما اشتدت العواصف.

صحيح أن إسرائيل تراهن على تفكك بنيتنا الوطنية، وأن بعض العالم يراهن على إنهاك إرادتنا حتى التعب، لكن التاريخ يعلمنا أن الشعوب التي تدرك معنى وحدتها وفق قراءة ثورية عقلانية لا تُستنزف، بل تتجدد. والخطر الحقيقي ليس في ضغوط الخارج وحدها، بل في أن نقبل نحن بإعادة تعريف العجز باعتباره «واقعية»، أو أن نستبدل مشروع التحرر بإدارة دائمة للاعتمادية.

إن السعي إلى دستور فعلي للصمود لا يعني إضافة وثيقة إلى الأرشيف، بل استعادة السياسة إلى معناها الملموس،تعبيراً حراً عن الإرادة الجمعية، لا وظيفة ملحقة بشروط الآخرين. ويعني إعادة بناء التمثيل الوطني على قاعدة الشراكة والشرعية والكرامة، بحيث يصبح القرار الوطني ثمرة ثقة متبادلة بين القيادة والشعب، لا انعكاساً لموازين ضغط خارجية.

نحن أمام مفترق تاريخي، لكنه ليس قدراً مغلقاً.
إما أن نعيد تأسيس بيتنا السياسي بروح مراجعة وطنية مسؤولة تنطلق من الثقة بالشعب وجدارته،
وإما أن نترك فراغنا يُملأ بخرائط الآخرين التي لا تعترف بحقنا في الحرية والعودة وتقرير المصير والسيادة.

×
أخبار
قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط