مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

نحن في أمس الحاجة إلى عقل للإيجار

نحن في أمس الحاجة إلى عقل للإيجار

تاريخ النشر: 2025-12-24 | 15:41

في هذا الزمن لم يعد العقل مساحة للتأمل بل ساحة اشتباك مفتوحة. أخبار تتدفق بلا توقف. علاقات تطالبك بتفسير دائم. مواقف تفرض عليك كواجب أخلاقي. آراء حادة. صراعات لا تنتهي. صور ووعود مؤجلة. كل شيء يطالبك بأن تكون حاضرا متيقظا منحازا. وكأن الحياد صار جريمة. والتوقف عن التفكير خيانة للوعي. فنرهق عقولنا باسم الفهم وننهك أرواحنا باسم الانتباه ثم نسأل بدهشة صامتة متى اختل هذا التوازن؟ ومتى صار العقل عبئا بدل أن يكون ملاذا؟

العقل البشري لم يخلق ليحمل كل هذا دفعة واحدة. لم يخلق ليحلل الحب حتى يفقده معناه ولا السياسة حتى تتحول إلى قلق دائم ولا المآسي البعيدة حتى تسكن الجسد كأمراض مزمنة. ومع ذلك نفعل. نتابع الحروب كأنها في غرف نومنا. نعيش خيبات الآخرين كأنها سيرتنا الذاتية. ندخل السياسة إلى علاقاتنا والعلاقات إلى صراعاتنا حتى تختلط الحدود ولا نعود نعرف أين نحن من كل هذا؟ وما الذي تبقى لنا فعلا؟

هنا بالضبط تولد فكرة عقل للإيجار. ليس تنصل فكري ولا كدعوة للهروب من الواقع بل كحاجة إنسانية صادقة. أن تسمح لنفسك ولو قليلا أن تسلم القيادة لمسافة أخرى أو لعين أقل اشتعالا. أن تقول بوضوح توقف. هذا الحمل أثقل من أن يحمل وحده.

في الحب مثلا نرهق العقل أكثر مما يجب. نحلل المشاعر نفسر الصمت نعيد قراءة الكلمات ونحول القلب إلى ملف مفتوح للنقاش. الحب الذي وجد ليكون مساحة أمان يصبح امتحانا ذهنيا مرهقا. وهنا ربما نحتاج عقلا مستعارا يقول لنا ببساطة ليس كل ما يفكر فيه يحل وليس كل ما يحل يعاش. بعض الأشياء تحتاج أن تترك لتكون لا أن تفهم.

وفي السياسة نعيش انقساما دائما. نختار موقفا ثم نقاتل دفاعا عنه ثم نكتشف أننا فقدنا أصدقاء أو سلاما داخليا أو القدرة على الإصغاء. ننسى أن السياسة مهما كانت عادلة أو ظالمة لا تستحق أن تدمر الإنسان من الداخل. العقل هنا يحتاج من يذكره أن الغضب المستمر ليس وعيا وأن متابعة الظلم لا تعني أن تتحول أنت إلى ضحية دائمة له.

أما في القضايا الإنسانية الكبرى فنقع في فخ النبل المرهق. نريد أن نكون حاضرين في كل ألم متضامنين مع كل جرح واعين بكل مأساة. لكننا ننسى أن للقلب طاقة وأن العقل حين يثقل فوق طاقته يفقد قدرته على التعاطف الحقيقي. يتحول الألم إلى ضجيج والتعاطف إلى تعب والنية الطيبة إلى استنزاف صامت.

عقل للإيجار يعني أن تعترف بأنك لست آلة. أنك تحتاج أحيانا إلى أن ترى الأمور بعين أقل اشتعالا. صديق هادئ. كتاب صادق. حوار لا يريد أن ينتصر. أو حتى صمت طويل بلا تبرير. مساحة أخرى تذكرك بأن الحياة ليست سباقا في الفهم بل توازنا في العيش.

ومن هنا حين ننتقل إلى السياسة بوصفها إدارة حياة لا إدارة شعارات تتضح الصورة أكثر قسوة. المشهد السياسي اليوم تقوده في كثير من الأحيان عقول ذكية لكنها مرهقة. عقول عاشت صراعات طويلة وخاضت معارك قاسية وحملت آمالا كبيرة ثم شهدت انهيارها. هذه العقول لا تفتقر إلى النية الحسنة لكنها تفتقر إلى المسافة. فتعيد إنتاج الخطاب نفسه والقرارات نفسها والفشل نفسه مع اختلاف طفيف في المفردات. واقع يتعثر ثم يفسر تعثره بمزيد من التحليل لا بمراجعة العقل الذي يديره.

هنا يصبح السؤال مشروعا وضروريا هل من الحكمة أن تتخذ العقول المنهكة قرارات جماعية؟ ربما لا. وربما يكون من الأكثر أخلاقية في لحظات معينة أن تتحول بعض القرارات إلى خيارات فردية تحمي الإنسان قبل أن ترفع الشعارات. فالعقل الذي لم يعد قادرا على إنقاذ نفسه كيف يطلب منه أن ينقذ جماعة كاملة؟

وإذا أردنا مثالا فادحا على ما يفعله العقل السياسي المتعب حين يصر على الإدارة فإن ما جرى ويجري في قطاع غزة يقدم هذا المثال بوضوح مؤلم. ليس فقط من حيث حجم المأساة بل من حيث نوعية العقل الذي يواصل القيادة رغم انكشاف فشله ورغم إدراك الجميع سرا أو علنا أنه بلغ أقصى درجات الإنهاك.

في غزة لا نشهد فقط صراعا عسكريا أو مأساة إنسانية بل نشهد إدارة أزمة بعقل استهلك حتى التآكل. عقل يكرر الأدوات ذاتها واللغة ذاتها والقرارات ذاتها ثم يتفاجأ بالنتائج ذاتها. عقل يعرف في قرارة نفسه أن قدرته على الرؤية باتت محدودة وأن هامش المناورة تقلص وأن الثمن يدفع من لحم الناس لا من خطاباته ومع ذلك يستمر.

هنا لا تعود المشكلة في النوايا ولا حتى في الشجاعة بل في الإنكار. إنكار أن هذا العقل بكل تاريخه وتجربته ومراراته لم يعد قادرا على إدارة لحظة بهذا التعقيد. الإنكار هو أخطر مراحل التعب لأنه يمنح صاحبه وهم السيطرة في اللحظة التي يفقد فيها السيطرة تماما.

في غزة نرى كيف تتحول الخبرة الطويلة حين لا تراجع إلى عبء ثقيل. كيف تصبح الذاكرة بدل أن تكون مصدر حكمة مصدر تصلب. وكيف يتحول الصمود من قيمة إنسانية نبيلة إلى شعار يستخدم لتبرير استمرار الانهيار. العقل المنهك لا يقول توقفوا. بل يقول اصمدوا أكثر. ليس لأنه يرى أفقا بل لأنه لا يعرف ماذا يفعل غير ذلك.

والأكثر قسوة أن هذا العقل المتعب لا يقرر عن نفسه بل عن جماعة كاملة. عن بشر محاصرين منهكين جائعين خائفين يطلب منهم أن يدفعوا ثمن قرارات لم يشاركوا في صياغتها ولا يملكون ترف مراجعتها. هنا تتحول القيادة من مسؤولية إلى عبء أخلاقي وتتحول السياسة من إدارة واقع إلى إدارة خسارة.

غزة بهذا المعنى ليست فقط جرحا مفتوحا بل مرآة قاسية تظهر ماذا يحدث حين ترفض العقول المتعبة أن تترك القيادة وحين ينظر إلى أي دعوة للمراجعة باعتبارها ضعفا أو خيانة. بينما الحقيقة أن أخطر أشكال الخيانة هو الإصرار على التفكير بذات العقل في واقع تغير بالكامل.

ولو كان هناك درس فلسفي عميق فيما يحدث فهو هذا. أن الصمود الحقيقي لا يكون دائما في الاستمرار بل أحيانا في التوقف. وأن العقل الذي يعترف بتعبه ويحمي الناس من قراراته حين ينهك هو عقل أكثر أخلاقية من عقل يواصل الإدارة باسم التاريخ والرمزية بينما الواقع ينهار.

عقل للإيجار في حالة غزة ضرورة وجودية. أن يفسح المجال لعقول أقل احتراقا أقل أسرا للذاكرة وأكثر قدرة على رؤية الإنسان لا الرمز. أن تتخذ قرارات تنقذ ما تبقى لا قرارات تخلد الخطاب بينما يدفن البشر.

في النهاية لا نخسر إنسانيتنا حين نطلب المساعدة بل حين نصر على الاكتفاء بعقول منهكة. الحكمة ليست أن يبقى العقل مشتعلا دائما بل أن يعرف متى ينطفئ قليلا ليعود أكثر دفئا.
فالعقل الذي يرتاح لا يعود فقط أوضح رؤية. بل أكثر رحمة.
ومع نفسه أولا ومع الناس الذين يفترض أن تحميهم قراراته

×
أخبار
آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط