مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

"نجيب محفوظ" والثورة

"نجيب محفوظ" والثورة

تاريخ النشر: 2023-01-03 | 12:22

تأتى ذكرى مرور (111) عامًا على ميلاد عملاق الأدب العربى، الروائى العظيم، «نجيب محفوظ»، لتؤكد من جديد أن هذا النبع الفيّاض بالإبداع غير المسبوق وغير المحدود لا ينفد.. وأن إشعاع الإلهام البديع لا ينضب. ويظل الأستاذ عبقرية سامقة، تتجاوز حاجز الزمن، وتلقى بظلالها الوافرة على كل العصور.. وتظل شخصياته المتوهجة رابضة في الوجدان.. راسخة في الذاكرة.. فمَن ينسى مثلًا شخصيته «زهرة»، الرمز والدلالة والمعنى العميق، في رواية «ميرامار» (1967)..

إنها تلك الفتاة الريفية، التي هربت من زيجة مفروضة عليها في القرية، وجاءت تبحث عن عمل وملجأ في المدينة، وتصبح خادمة البنسيون، دون أن ينطفئ فيها الشموخ والأصالة والجدية والبساطة.. إنها رمز الباحثة عن سند.. عن حب.. عن استقرار.. عن سعادة.. عن انتماء.. عن حماية.. وربما يتسع الرمز في مغزاه وأبعاده المتعددة لتكون «زهرة» هي «مصر».

لقد أحبها الجميع أو اشتهوها.. وتصرفوا حيالها دائمًا كرمز يتسربل بالهيبة.. ولكنه يشع بالفتنة والإغراء.. وتختلف الشخصيات جميعًا باختلاف مواقفهم من «زهرة».. «عامر وجدى»، الوفدى السابق يرنو إليها في تعاطف ومودة وإشفاق. «طلبة مرزوق»، الإقطاعى السابق، المتصابى، (وهو من رجال السراى، ووُضعت أمواله بعد الثورة تحت الحراسة)، والذى يضيق قلبه وعقله بكراهية للثورة.. يتطلع إلى «زهرة» في شبق واستعلاء معًا.

و«منصور باهى»، المثقف، الغارق في أزمة بحثه عن خلاص مما يعانيه من ضياع.. يتمنى أن ترتضى به زوجًا فينقذها وينقذ نفسه.. لكنها كانت مجرد نزوة يأس لا تُفضى إلى شىء حقيقى.. أما «حسنى علام» فهو شاب مستهتر، فقد أرستقراطيته الماضية، ولم يتبقَّ له إلا بضعة أفدنة هي حد الملكية الجديدة بعد الثورة. وهو يقابل الحياة الجديدة باستخفاف وازدراء.. يملأ فراغه بالعربدة.. ويتطلع إلى مشروع تجارى يُصلح بقايا هيكله الاجتماعى المنهار..

على أن «سرحان البحيرى»- الذي حلّله بعمق الأستاذ كمال النجمى، في كتابه عن «نجيب محفوظ»- هو وحده الذي يفوز بقلب «زهرة»، وهو لا يريد من حبه لها إلا أن يكون مجرد متعة غير مسؤولة.. وعندما تأبى عليه ذلك، فإنه ينتقل بقلبه إلى فتاة أخرى تؤهلها مكانتها الاجتماعية لأن تكون زوجة مفيدة له.. والمفارقة أنه يجد ضالّته المنشودة في المُعلمة، التي تعلم «زهرة» القراءة والكتابة.

وتحمل شخصية «سرحان البحيرى» هجاء مريرًا وحادًّا لثورة (23 يوليو) ورموزها، حيث كانت كلمة الاشتراكية كلمة طيِّعة على لسانه في كل وقت.. تخدم كل معنى يريد أن يصبه في الأسماع.. بينما حقيبته متخمة بأموال الشركة المنهوبة التي كان يعمل بها.. إنه شاب من بقايا الطبقات الرجعية القديمة.. ولكنه استطاع بانتهازية أن يتسلق بعض المواقع الثورية الجديدة.. تسلل إلى المنظمات الشعبية، مثل هيئة التحرير والاتحاد القومى، وارتفع صوته بشعارات رنّانة خالية من الصدق.. بل تتناقض مع سلوكه العملى، الذي يتسم بالفساد.. وانعدام القيم وحقارة النفس.. ينكشف أمره في سرقة كان يديرها.. فيُقدم على الانتحار.

وهكذا تكفر «زهرة» بكل مَن حولها من رواد البنسيون، فتغادره... ويقول في ذلك الناقد الكبير، «محمود أمين العالِم»: «لقد هربت زهرة من التقاليد القاسية، التي تريد أن تحِدّ من حريتها بالقرية، فلم تجد في بنسيون المدينة إلا الكذب والادعاء والفجور والاستعلاء».

أما «عيسى الدباغ»، في رواية «السمان والخريف»، فقد كان يعمل مديرًا لمكتب أحد وزراء حزب الأغلبية، عضوًا في أحد الأحزاب، وخرج في التطهير.. يقول «سمير عبدالباقى»، الذي فُصل معه: «كنا طليعة ثورة، فأصبحنا حطام ثورة..»، فيرد «عيسي»، بأسى ومرارة: «فى كل عمل سنتخذه سنظل بلا عمل لأننا بلا دور.. لكن ستزداد ضحكاتنا كلما رأينا التاريخ وهو ينصاع لنا دون أن نشارك فيه».. وسياق الرواية يركز حول معنى أن ثورة (52) أطاحت بالجميع.. فخرج «عيسى» من الحكومة ومن الوظيفة.. اقتُلع من جذوره، وأصبح عقيمًا بلا نفع ولا قيمة ولا جدوى لوجوده في هذا المجتمع الجديد.

أما في رواية «ثرثرة فوق النيل» (1966)، فقد قدم «نجيب محفوظ» أبشع صورة لفقدان الطريق ولاجدوى الواقع المعيش.. العزلة الكاملة والسلبية المطلقة إزاء حركة الحياة.. وبجريمة قتل خارج العوامة، التي كانت تضم شخصيات الرواية في جلسات الكيف.. أكد من خلالهم أن العزلة السياسية والاجتماعية ليست مجرد عزلة أو سلبية، إنما هي نشاط مُخرِّب وقاتل.. من خلال جماعة المثقفين تكتمل الصورة.. ويتضح الرمز الجلِىّ.. حيث يجتمعون في سيارة أحدهم، ويخرجون لأول مرة إلى دنيا الناس ليصدموا مواطنًا مجهولًا فقيرًا لا يعرف أحد له اسمًا ولا أصلًا.. لعله الوطن أو الشعب.

وليس مصادفة إذًا أن تلك النماذج التي التقطها نجيب محفوظ من مجتمع «يوليو» في مرحلة ما قبل الهزيمة وما بعدها ليس بينهم مَن يدعو إلى الاحترام أو الثقة.. فالذين كانوا يتصدرون المشهد الثورى في تلك الأيام هم الانتهازيون والمنافقون الذين تنكروا لمبادئهم والخونة.. والذين يدافعون عن الاشتراكية ويطالبون بالعدالة الاجتماعية وتذويب الفوارق بين الطبقات لكنهم يحلمون سرًّا بالامتيازات المادية.

إن نجيب محفوظ الستينيات، ومن خلال «السمان والخريف» و«الطريق» و«الشحاذ» و«ثرثرة فوق النيل» و«ميرامار» و«أولاد حارتنا»، يهاجم الثورة بوضوح، ويدين حكم الفرد والديكتاتورية والدولة الشمولية و«عبدالناصر»، ويكرس لأزمة الديمقراطية.. ومع ذلك لم يُقصف قلمه، ولم تُصادر كتبه، ولم تُمنع أفلامه. وقال هو نفسه ذلك، وأكد أنه نشر أهم أعماله في زمن «عبدالناصر»، وحصل على أفضل الجوائز في عهده.
عن المصري اليوم

×
أخبار
مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط