مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

نابلس ودوما، وحديث في التيه الفلسطيني

تبدو الحالة الفلسطينية الداخلية في الاونة الأخيرة من التفكك والتأزم بحيث بات على كل عاقل أن يدعو إلى وقفة لتقييم هذا الواقع. منذ ثلاثة أيام انشغل الرأي العام الفلسطيني، والنابلسي على وجه الخصوص، بأزمة جديدة هي أزمة إدارة البلدية التي فجرتها أزمة المياه في ظل هذا الصيف القائظ. لست من العالمين بخفايا أزمة البلدية، لكنها أزمة دالة على الحالة الفلسطينية عموما. أبرز دلالاتها هو هذا الفراغ المؤسسي والقانوني الذي نعيشه في المناطق التي "تديرها" السلطة الفلسطينية. أصبح بمقدور كل محتج على أية سياسة أو قرار رسمي من أي مستوى كان، أن يعبر عن احتجاجه بإغلاق الشوارع، وحرق الإطارات، والتصادم مع الشرطة، والاعتداء على الأماكن العامة.

           تسود مدننا ومخيماتنا حيث تمارس السلطة الفلسطينية وظائفها -أو تعجز عن ممارستها- حالة من غياب القانون، ومظاهرانهيار النظام الاجتماعي والتشظي المجتمعي، وسهولة التعدي على الحيز العام. وتنتشر في أوساطنا حالة من الغليان والاحتقان بات معها مشاهدة "الطوش" العنيفة إلى حد القتل، أمر معتاد ويومي. أصبح بوسع أي مجموعة من الناس (عائلة، مخيم، حي في مدينة، نقابة، جهة، زمرة مستزلمة تشعر بمكانتها، ...الخ) أن تلحق الشلل بهذا المرفق أو ذاك من المرافق العامة والخاصة على السواء، وصار بمقدور فئات بعينها أن تلوي ذراع القانون، وتعربد على الناس مستقوية بنفوذها المستمد من وجود السلطة الفلسطينية. في مقابل ذلك، تعمل المؤسسات الرسمية بكل مستوياتها بمنطق البلقنة والخصخصة، بحيث تحول كل من يمارس مسؤولية عامة إلى حاكم بأمره، له قواته الضاربة (بغض النظر عن مسماها) وأجهزته الأمنية، وحوله شرائح من المستفيدين والمدَاحين، وكأن كل جهة رسمية في حيز نفوذها هي كيان مستقل، أو إقطاعية خاصة. تغذي كل من هتين الظاهرتين بعضهما بعضا في مسار انحداري خطير نحو التفكك والانهيار الكامل لكل المنظومة التي أنشأتها ورعتها، وحرصت على تعميقها السلطة الفلسطينية.

          مما يزيد الأمور تدهورا ونزوعا نحو الانعدام التام للشعور الجماعي بوحدة الأهداف والمصير، هو ما ينشر عبر وسائل الإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي، حول الفساد المالي المستشري في أوصال مؤسسات وأجهزة السلطة الفلسطينية. لدى الجمهور الفلسطيني العريض قناعته بوجود هذا الفساد. وعندما نعلم بأن فوارق الدخل الشهري -على سبيل المثال- بين بعض المستويات العليا في مراتب السلطة الفلسطينية وبين متوسط الدخل الفردي للفلسطيننين تصل أحيانا إلى 280 ضعفا(حسب تقرير لموقع فلسطين 24)، فلن نستهجن أن يغيب عن سلوك المواطن الغاضب الالتزام بالقانون والنظام أو الامتناع عن الاعتداء على الحق العام. لا يشعر المواطن بأن هذه المنظومة مكرسة لخدمته، أو الدفاع عن أمنه، أو تحقيق الحد الأدنى من عيشه الكريم، ويرى فيها التعبير الصارخ عن عمق الفوارق الاجتماعية المتعاظم، وعن سيادة المحسوبية والاستزلام والزبائنية بأكثر صورها فظاظة. إن الحديث عن الفساد بالصيغ المعتادة وكأنه حالة يمكن "مكافحتها" لا يفيد. إذ إن استشراء الفساد بهذا المستوى يدلل على أنه جزء من بنية السلطة الفلسطينية. لا يمكن لأي مراقب حصيف لطبيعة، وأدوار، ووظائف هذه السلطة منذ قيامها، إلا أن يلاحظ بأن تصميمها، وارتباطاتها، والقيود المفروضة عليها، وتوزيع الأدوار فيها هي حاضنات بنيوية للفساد.

          إن النتيجة المتوقعة لهذه المتوالية هي مزيد من غياب الإحساس العام بهيبة القانون، وبحصانة الحيز العام، وصولا إلى الصدام المفتوح مع المنظومة المهيمنة في المجتمع الفلسطيني. إن الحلول المطروحة لأزمة ديون المياه على المواطنين مثلا لا تحل بتركيب عددات مسبقة الدفع. فالماء حق إنساني أولا، والأهم بأن الحل يكمن في احترام القانون والالتزام بالمصلحة العامة، وهو ما لن يتم في ظل الظروف الراهنة والمشار إليها هنا. إن أخطر ما يترتب على أحداث نابلس وما يشابهها هو أولا تكريس منطق الغلبة وجواز الإطاحة بهيئات منتخبة باستخدام طرق تحكمية (علما بأن الانتخابات لا تمنح شرعية للأبد أو دون توقعات في الأداء)، وهو أمر إن طان لبعض الأطراف مصلحة من وراءه فإن هذه الأطراف لن تمتلك التحكم فيه إذ تحول إلى سابقة. وثانيا: هو تعزيز حالة غياب النظام العام، وزيادة معدلات الاستخفاف بالقانون عبر ممارسات منفلته ويجري التسامح معها لأسباب سياسية، أو كون السلطة تشعر بعدم الرغبة في الدخول في صدام مع المواطنين، وهو ما يشير إلى ارتفاع احتمالات الصدام بفعل شعور الناس بسهولة خرق القانون دون عواقب.

أنا لا أبشر، ولا أدعو لهذا الصدام، ولكن المتأمل لما يجري بين ظهرانينا لا يمكنه أن يغفل هذه الإمكانية. للأمر علاقة وطيدة بالتغير الجذري الذي تحقق بفعل اتفاقية أوسلو وما نتج عنها من تحولات، وبخاصة لجهة تحميل السلطة الفلسطينية عبء الخدمات والإدارة والتوظيف...الخ دون أن تتوفر لهذه السلطة الموارد اللازمة. أقصد بالموارد ليس فحسب المالية، بل كذلك السيادية، والقانونية. لقد نجحت إسرائيل في تحويل السلطة الفلسطينية إلى متلقي الضربات نيابة عنها في كل شأن يثير غضب الفلسطينيين. قلصت اتفاقية أوسلو إلى أبعد حد قدرتنا على توجيه الغضب إلى عنوانه الأول: الاحتلال. وعمقت السلطة الفلسطينية بمسلكياتها الفضائحية من هذا الحالة، وبخاصة استمرار التنسيق الأمني الذي عمق من حالة التفاوت الكبير في القوة بين الشعب الفلسطيني والاحتلال، بحيث يات الفلسطيني مكشوف تماما أمام الاحتلال ومستوطنيه.

          لم يحدث في تاريخ حركات التحرر الوطني أن تعاونت الشعوب (قياداتها السياسية بطبيعة الحال) الخاضعة للاستعمار أو الاحتلال مع مضطهديها ومستعمريها خدمة لأمن هذا المستعمر. أصبح لدينا صورة مشوهة من العلاقة بالمحتل. تجد هذه الصورة تجلياتها في حالة التفكك الداخلي الذي وصل ذروته في الانقسام الفلسطيني، ويعبر عن نفسه في الشارع كما أسلفنا، وفي حالة العجز المتراكم عن تشكيل أي نوع من الضغط أو التهديد للمحتل، ويعبر عن نفسه في عجزنا الفاضح عن التصدي لجرائم مثل جريمة "دوما" وما سيليها من جرائم مماثلة.

إن مشهد الشارع النابلسي المنتفض بوجه بلدية نابلس، في حين لم تجف دماء كل من الرضيع علي ووالده سعد دوابشه، وفي حين تتوالى هجمات المستوطنين على المواطنين في قريوت، وقصرة، وبورين، وغيرها، هذا المشهد يروي كل حكاية ما صنعته بنا اتفاقيات أوسلو. أصبحنا عوالم مشتتة، لا يجمعنا هدف، ولا يحملنا للتكاتف في وجه المحتل منظومة كفاح وطني. لقد امتد تيهنا، بحيث أصبح الحديث يدور عن انتفاضة يبدو أنها انتفاضة المستوطنين وليس انتفاضة المقهورين تحت الاحتلال. لم لا وقد تخلينا طوعا عن خياراتنا الكفاحية، وأصبح وجود السلطة الفلسطينية -حسب تقييم قادة أجهزة الاستخبارت الاسرائيلية- هو الضامن لعدم اندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة. لا أبالغ إن قلت بأن الحالة في نابلس هي نموذج مصغر لمعادلة الوضع الفلسطيني برمته: قاتلوا بعضكم داخل "الغيتو"، ونحن سنقتلكم خارجه، وستوفرون لنا العون.

أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية

 

 

 

×
أخبار
بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط