مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

مونديال 2026 في زمن الحروب

مونديال 2026 في زمن الحروب

تاريخ النشر: 2026-06-12 | 13:01

كل أربع سنوات يتوقف العالم أمام حدث رياضي استثنائي تتجه إليه أنظار المليارات، حيث تتوحد الشعوب خلف منتخباتها الوطنية، وتختلط اللغات والثقافات تحت راية واحدة هي كرة القدم. وفي صيف عام 2026 تعيش البشرية مجدداً هذا المشهد مع انطلاق نهائيات كأس العالم في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، في النسخة الأكبر بتاريخ البطولة بمشاركة 48 منتخباً. ستضج الملاعب بالجماهير، وستتصدر أخبار المباريات والعروض الرياضية عناوين الصحف وشاشات التلفزة، لكن خلف هذا المشهد الاحتفالي المشرق يبرز واقع آخر أكثر قسوة؛ واقع شعوب ما تزال تنزف تحت وطأة الحروب والاحتلالات والنزاعات.

ولعل المفارقة التي تستحق التوقف عندها أن بطولات كأس العالم كثيراً ما تزامنت عبر التاريخ مع أحداث دامية هزّت ضمير الإنسانية. ففي صيف عام 1982، وبينما كانت الجماهير تتابع منافسات المونديال في إسبانيا، كانت الدبابات الإسرائيلية تجتاح لبنان، وكانت بيروت والمخيمات الفلسطينية تعيش تحت القصف والحصار في واحدة من أكثر المحطات قسوة في تاريخ المنطقة. يومها كان العالم يصفق للأهداف والانتصارات، فيما كانت عائلات بأكملها تبحث عن الأمان بين الأنقاض.

ولم تكن تلك الحالة استثناءً في تاريخ المونديال. ففي تسعينيات القرن الماضي كانت الحرب في البوسنة والهرسك تترك آثارها العميقة على المجتمع الأوروبي، وتلقي بظلالها على المنطقة خلال سنوات الصراع والحصار والتطهير العرقي. وفي عام 2002 أُقيم كأس العالم في كوريا الجنوبية واليابان بينما كانت الانتفاضة الفلسطينية الثانية في أوجها، وكانت المدن والبلدات الفلسطينية تتعرض للاجتياحات والحصار والتدمير. أما مونديال 2022 فقد جاء في ظل الحرب الروسية الأوكرانية التي أعادت إلى العالم صور الدمار والنزوح والمعاناة الإنسانية. واليوم يأتي مونديال 2026 فيما لا تزال العديد من مناطق العالم تعيش على وقع الحروب والأزمات، وفي مقدمتها فلسطين، ولا سيما قطاع غزة، ولبنان، وسائر مناطق المنطقة التي ما زالت تدفع ثمناً باهظاً من دماء أبنائها ومستقبل أجيالها.

إن الحديث عن فلسطين، ولا سيما غزة، ولبنان في زمن المونديال ليس محاولة لسرقة فرحة الرياضة أو التقليل من أهمية الحدث العالمي، بل هو تذكير بأن وراء الأضواء الساطعة في الملاعب هناك شعوب تناضل من أجل أبسط حقوقها الإنسانية. ففي الوقت الذي تستعد فيه المنتخبات الوطنية لخوض المنافسة على أغلى كأس كروية، ما يزال أطفال فلسطينيون ولبنانيون كثيرون يحلمون فقط بليلة هادئة لا يسمعون فيها أصوات الطائرات والانفجارات. هناك من يحلم برفع كأس العالم، وهناك من يحلم بالعودة إلى منزله أو مدرسته أو ملعبه.

ولعل من أكثر الصور إيلاماً أن الحروب لا تستهدف البشر وحدهم، بل تمتد لتطال كل ما يرتبط بحياتهم ومستقبلهم، بما في ذلك الرياضة. فالرياضة الفلسطينية التي شكلت على مدى عقود مساحة للأمل والصمود تعرضت لأضرار جسيمة نتيجة الاعتداءات المتكررة. فقد دُمرت أو تضررت ملاعب وصالات رياضية ومراكز شبابية وأندية كانت تشكل متنفساً للأطفال والشباب ومكاناً لاكتشاف المواهب وتنمية القدرات.

إن الملعب في البلدان الواقعة تحت الاحتلال أو العدوان ليس مجرد مساحة لممارسة كرة القدم أو ألعاب القوى، بل هو مساحة للحياة. هو المكان الذي يتعلم فيه الطفل معنى المنافسة الشريفة والانتماء والعمل الجماعي، وهو المكان الذي يبتعد فيه الشاب عن اليأس والإحباط ليجد هدفاً يسعى إليه. وعندما يتحول هذا الملعب إلى ركام، فإن الخسارة لا تكون رياضية فقط، بل إنسانية وتربوية ووطنية في آن واحد.

وفي الوقت الذي تنفق فيه الدول المستضيفة للمونديال مليارات الدولارات على بناء وتطوير الملاعب الحديثة وتجهيزها بأحدث التقنيات، ما تزال الرياضة الفلسطينية تكافح للحفاظ على الحد الأدنى من مقومات البقاء. هناك لاعبون فقدوا أماكن تدريبهم، ومدربون تعطلت برامجهم الرياضية، وأندية باتت عاجزة عن مواصلة نشاطها بالشكل المطلوب. بل إن بعض الرياضيين أنفسهم كانوا من بين ضحايا الحروب، لتتحول أحلامهم الرياضية إلى ذكريات مؤلمة تحفظها عائلاتهم ورفاقهم.

وهنا تظهر مفارقة قاسية بين عالمين متوازيين؛ عالم يحتفل بأحدث الملاعب وأضخم البطولات وأغلى العقود الرياضية، وعالم آخر يبحث فيه الأطفال عن مكان آمن للعب كرة القدم. ففي الوقت الذي ستنقل فيه شاشات العالم صور الملاعب الممتلئة بالجماهير خلال مونديال 2026، ستبقى هناك ملاعب أخرى تنتظر إعادة إعمارها، وشباب ينتظرون فرصة للعودة إلى ممارسة الرياضة في ظروف طبيعية.

لقد وُلدت الرياضة لتكون رسالة سلام وتقارب بين الشعوب، لا مجرد سباق ومنافسة على الألقاب. ولهذا فإن القيم التي يرفعها العالم الرياضي من عدالة ومساواة واحترام وكرامة إنسانية لا ينبغي أن تبقى شعارات داخل حدود الملاعب فقط، بل يجب أن تتحول إلى مواقف حقيقية تجاه معاناة الشعوب وحقوقها الأساسية. فالرياضة التي تدعو إلى نبذ التمييز والعنصرية والاحتلال والظلم مطالبة أيضاً بالدفاع عن حق الأطفال في اللعب، وحق الرياضيين في التدريب والمنافسة، وحق الشعوب في العيش بأمن وكرامة.

إن أحد أجمل جوانب كأس العالم أنه يمنح الشعوب لحظات نادرة من الفرح الجماعي، لكن هذا الفرح يكتمل عندما يقترن بالشعور الإنساني والمسؤولية الأخلاقية. فلا يمكن للعالم أن يحتفل بقيم الرياضة العالمية فيما يتجاهل صور الدمار والمعاناة التي يعيشها الملايين. وليس المطلوب أن تتوقف الحياة أو أن تتوقف البطولات، بل أن يبقى الضمير الإنساني حاضراً، وألا تتحول المآسي إلى مشاهد عادية تمر على هامش نشرات الأخبار.

سيأتي مونديال 2026 ويمضي كما مضت بطولات كثيرة قبله، وستبقى أسماء الأبطال والهدافين والمنتخبات الفائزة محفوظة في سجلات التاريخ الرياضي. لكن ذاكرة الشعوب ستحتفظ أيضاً بصورة أخرى؛ صورة الدماء النازفة التي رافقت أفراح العالم، وصورة الأطفال الذين حلموا باللعب في ملاعب آمنة كما يفعل أقرانهم في كل مكان. وبين الكأس التي يرفعها المنتصر في الملعب، والحق الذي يطالب به المظلوم في وطنه، تبقى العدالة هي البطولة الأجمل التي لم تُحسم نتيجتها بعد، والتي ما زالت الإنسانية تنتظر يومَ تتويجها الحقيقي.

×
أخبار
قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط