مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

"موســى ســابا".. رجل غيبه الموت ولن ينساه التاريخ

"موســى ســابا".. رجل غيبه الموت ولن ينساه التاريخ

تاريخ النشر: 2016-04-09 | 21:55

ليس بالأمر اليسير أن تكتب عن قامة وطنية عظيمة، وتجربة كفاحية عريقة، ومسيرة نضالية كبيرة، فالمهمة تبدو صعبة للغاية وأنت تُبحر في قاموس اللغة العربية لتنتقي من الكلمات ما يليق بتلك القامة لتكتب عن مسيرة كفاحية طويلة في سطور قليلة، وبكلمات محدودة. وقد لا تجد في قاموس اللغة مايليق برجل بحجم الوطن، وركن من أركان المقاومة في الزمن الجميل. رجلٌ يختزل بداخله حكاية شعب مضطهد ومسيرة ثورة مستمرة ومستعرة. إنه المناضل القدير وأحد أبرز نشطاء المجتمع المدني الفلسطيني الفقيد "موسى سابا".

"موسى سابا"..فلسطيني الجنسية، ثوري الانتماء، مسيحي الديانة، شأنه شأن الكثيرين من المسيحيين الذين لعبوا دورا مهما وتاريخيا في مسيرة الثورة الفلسطينية المعاصرة ونهضة المجتمع الفلسطيني، وشكّلوا معالم بارزة في تاريخ الشعب الفلسطيني وتركوا بصمة واضحة في قلوب وعقول الناس من خلال عملهم المهني ونشاطهم المجتمعي والرياضي وحضورهم الاجتماعي والخدماتي وإبداعاتهم الثقافية والفنية، فبرز منهم القادة والعظماء أمثال "جورج حبش"، "وديع حداد"، "نايف حواتمة"، "كمال ناصر". وآخرين من المفكرين والمؤرخين والعلماء والإعلاميين والأدباء والشعراء أمثال "ادوارد سعيد"، "روزماري سعيد"،"عزمي بشارة"،" جوزيف مسعد"، "حنان عشراوي"، "عطالله حنا"، "الأب مناويل مسلم"، "سمير القصير"،"إميل حبيبي"، "عزمي نصار"، "خليل السكاكيني"، "المطران كابوتشي"، "عفيف صافية" وغيرهم.

"موسى سابا" وكنيته "ابو عيسى".. فلسطين أنجبته، وغزة احتضنته، وهو واحدٌ من المسيحيين الفلسطينيين الذين تعرضوا للظلم التاريخي والتشريد، كما لم تكن المقدسات المسيحية في فلسطين بمنأى عن اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي، لذا فلقد كرّس حياته لفلسطين وقضيتها العادلة ودفاعا عن مقدساتها، ومن أجل ان تحيا ويحيا شعبها بحرية ودون احتلال، فتعرض للاعتقال وذاق مرارة السجن وقساوة السجان أكثر من مرة، ولأن الاحتلال لا يميز ما بين فلسطيني وآخر، أكان مسلما أم مسيحيا، فلقد تعرض المسيحيون في سجون الاحتلال الإسرائيلي لما تعرض له المسلمون من تعذيب ومعاملة لا إنسانية وحرمان من أبسط الحقوق الأساسية،  فكانوا شركاء في الألم والصمود والمواجهة خلف القضبان، وبرز من بينهم من اعتبروا قيادات ورموز للحركة الأسيرة. وأن قائمة من استشهدوا من الأسرى في السجون الإسرائيلية لم تخلُ من المسيحيين. ليؤكدوا دوما على أنهم شركاء في الألم والمقاومة، وأن العلاقة الإسلامية -المسيحية في فلسطين، متميزة ومتينة، وأن الفلسطينيين أيا كانت ديانتهم مسيحية أم إسلامية يعيشون إخوة وأصدقاء في العمل والعلم، وجيران في المسكن.

"موسى سابا".. ولد عام 1926 في مدينة بئر السبع جنوب فلسطين والتي تعتبر عاصمة النقب، وتلقى تعليمه الأساسي في مدارس بئر السبع، وأنهى الثانوية العامة في مدرسة الفرندز برام الله، ثم عمل في دائرة الاحصاء الفلسطينية بالنقب قبل ان تهاجر عائلته الى قطاع غزة اثر النكبة عام 1948. ليعمل بعدها في وكالة الغوث الدولية للاجئين بغزة،  وبعدها عمل ضابط ارتباط في قوات الطوارئ الدولية. كما وكان من مؤسسي جمعية الشبان المسيحية وتولى منصب المدير التنفيذي لها خلال الأعوام 1976-2011م.

"موسى سابا" .. آمن بالمقاومة نهجاً وخيارا، منذ نعومة أظافره، من أجل العيش بحرية وكرامة، وامتشق السلاح وسيلة منذ صباه لدحر الاستعمار البريطاني عن أرض أجداده وتحرير المقدسات من دنس جنوده ومستوطنيه. فالتحق بالمقاومة وشارك في مواجهة الاستعمار منذ صغره وقبل أن يشتد عوده.

بعد "النكبة" واصل مقاومته ولم ترهبه عمليات القتل والمجازر الجماعية التي نفذتها العصابات الارهابية بحق الفلسطينيين. كما لم تثنيه عمليات الاعتقال والملاحقة للنشطاء ورجال المقاومة، فتعرض للمضايقات تارة، وللملاحقة تارة أخرى، وفي الأيام الأولى من الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة عام 1956 اعتقلته قوات الاحتلال وزجت به في سجونها حتى انسحابها من القطاع أوائل عام 1957.

بعد هزيمة عام 1967 واتمام اسرائيل احتلالها لباقي الأراضي الفلسطينية ومن ضمنها قطاع غزة، شارك في تأسيس قوات التحرير الشعبية الذراع العسكري لجيش التحرير الفلسطيني وكان له فيها دور قيادي، وتقلد منصب المفوض السياسي لتلك القوات، وشارك في قيادة وتوجيه مجموعاتها، وكان له دور لافت في المقاومة خلال تلك الفترة، فلمع اسمه وأدركت سلطات الاحتلال خطورته، فاعتقلته من جديد عام 1972ضمن مجموعة من المقاومين، ومارست بحقه أبشع اساليب التحقيق والتعذيب في محاولة لكسر صموده واجباره على الاعتراف والبوح بأسرار المقاومة والعمليات الفدائية التي أقضت مضاجع الاحتلال خلال تلك السنوات. فكان كما عرفه رفاقه وأصدقائه، صلبا وصامدا ولم يخنهم.

أفرج عنه بعد بضعة شهور كانت هي الأقسى في حياته، ليواصل عطائه ومقاومته للاحتلال وأجهزته المختلفة، فيعتقل للمرة الثالثة عام 1976 وبعد تحرره تبوأ منصب المدير التنفيذي لجمعية الشبان المسيحية حتى عام 2011، تلك الجمعية التي جعل منها منارة لكل الفلسطينيين في قطاع غزة، مسيحيين ومسلمين، ومكانا للتعبئة والحشد والتحريض على الاحتلال، وتميز كذلك بنشاطه الاجتماعي والمجتمعي.

"موسى سابا".. التقيته مرارا واستمعت الى أحاديثه مرات كثر، وفي كل مرة ازددت اعجابا به واحتراما له. كان رجلا معطاء ومناضلا شرسا، كان أخا وأباً، كان حكيما ورمزا وطنيا أصيلا، كان عنوانا للقيم السامية والتسامح الديني والوطني، وعلم من أعلام الوحدة الوطنية، ولأنه كذلك أحببناه جميعا، كمسلمين ومسيحيين، وعلى اختلاف انتماءاتنا الحزبية ومعتقداتنا الفكرية وتوجهاتنا السياسية، ليسكن قلوبنا وعقولنا ويظل حاضرا في أوساطنا.

في الثاني والعشرين من شباط/فبراير عام 2016 توقف قلبه عن الخفقان وورى الثرى في مقبرة كنيسة الروم الأرثوذكسي بغزة، وقد شارك في تشييع جثمانه قيادات  العمل الوطني والاسلامي ورموز المجتمع المدني وممثلي الفعاليات واللجان الشعبية، مكللا بذلك مسيرة حياة طويلة وحافلة بالعطاء والنضال.

"موسى سابا" (1926-2016)

مسيرة كفاحية عريقة لرجل غيبه الموت، ولن ينساه التاريخ

×
أخبار
هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط