مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

من سيبني غزة إذا لم يتعلم أبناؤها؟

من سيبني غزة إذا لم يتعلم أبناؤها؟

تاريخ النشر: 2026-07-30 | 13:14

أمينة خليفة
أمينة خليفة

يواجه قطاع غزة واحدة من أسوأ أزمات التعليم في العالم، وذلك في أعقاب الدمار الهائل الذي لحق بالبنية التحتية المدرسية منذ أكتوبر 2023، والمشهد لم يعد مجرد مدارس مغلقة أو طلاب متأخرين، بل جيل كامل يقف على حافة الضياع.

ووفقاً لمنظمة اليونيسف، يُحرم حالياً ما يقرب من 700 ألف طفل -تتراوح أعمارهم بين 4 و17 عاماً- من حقهم الأساسي في التعليم. الرقم صادم، لكنه يصبح أكثر وجعاً عندما نعرف أن من بين هؤلاء من كانوا على بعد شهور من التخرج، ومنهم من كان يحلم بأن يكون مثل صبا رباح.

وربما تجاوز حجم الدمار كل التوقعات، فتُظهر التقييمات أن 98% من المؤسسات التعليمية قد تعرضت لأضرار متفاوتة الشدة، في حين يحتاج أكثر من 93% منها إلى إعادة تأهيل أو إعادة بناء شاملة، بمعنى آخر، لم تعد هناك "مدرسة سليمة" يمكن العودة إليها، فالقاعات تحولت إلى ركام، والساحات إلى خيام نزوح، والسبورات إلى جدران متصدعة، وقد يكون هذا هو السبب الذي جعل قصة طالب متفوق تتحول إلى خبر قومي، لأنها الاستثناء وسط قاعدة عامة من الخراب.

وأيضا، قد لا تقتصر الأزمة على المباني فقط، فعندما تسقط المدرسة يسقط معها كل شيء: المعلم الذي فقد بيته، والكتاب الذي احترق، والإنترنت الذي انقطع، والكهرباء التي لم تعد تصل لساعات الدراسة، فالطالب الغزي اليوم لا يدرس في فصل، بل يدرس بين أطلال، وربما لهذا السبب بدا إنجاز من حقق 99.9% أشبه بمعجزة، لأنه تم في بيئة تفتقد لأبسط مقومات التعلم.

كما أن حرمان 700 ألف طفل من التعليم لن يكون له أثر على الحاضر فقط، بل سيمتد لعقود، فكل سنة دراسية ضائعة تعني طبيباً أقل، ومهندساً أقل، ومعلماً أقل، وهذا سيؤثر مباشرة على عملية إعادة الإعمار نفسها، فمن سيبني غزة إذا لم يتعلم أبناؤها؟، فوربما تسهم هذه الفجوة التعليمية في رفع معدلات البطالة والفقر مستقبلاً، وتحويل جيل كامل إلى جيل يعتمد على المساعدات بدل الإنتاج.

ولا يقتصر تأثير الدمار على الجانب الأكاديمي فقط، بل يمتد إلى الجانب النفسي والاجتماعي، فالمدرسة في غزة لم تكن مكان دروس فقط، بل كانت ملاذاً آمناً، كانت المكان الذي ينسى فيه الطفل صوت القصف لساعات، واليوم ومع غياب هذا الملاذ، يبدو أن أعداد الأطفال الذين يعانون من الصدمة والقلق في ارتفاع مستمر، وقد يسهم غياب الروتين المدرسي في زيادة التسرب وتشغيل الأطفال، خاصة في الأسر التي فقدت معيلها.

وتبدو هذه الأزمة اختباراً حقيقياً للمجتمع الدولي ومنظمات الإغاثة. فالحديث عن "التعليم في الطوارئ" لم يعد كافياً، فالخيام والصفوف المؤقتة قد تحل أزمة شهر، لكنها لا تبني مستقبل، وربما تكون هناك حاجة إلى خطة عاجلة لإعادة تأهيل المدارس المتبقية، وتوفير تعليم عن بُعد حيث أمكن، وتدريب معلمين على التعامل مع طلاب الصدمة، حتى لا تضيع سنة أخرى من عمر هؤلاء الأطفال.

وفي الوقت ذاته، تبدو الحاجة قائمة إلى وجود ترتيبات تضمن استمرارية التعليم حتى أثناء الحرب، فتجارب سابقة أثبتت أن التعليم يمكن أن يستمر في الملاجئ وفي البيوت وعبر الراديو، وربما يسهم إنشاء "مدارس مجتمعية" صغيرة داخل مراكز الإيواء في إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ومنح الأطفال إحساساً بالعودة إلى الحياة الطبيعية، حتى لو كانت الحياة نفسها غير طبيعية.

كما أن الأرقام التي نشرتها اليونيسف، تضع المسؤولية على الجميع، لأن تضرر 98% يعني أن المشكلة ليست في مدرسة أو مدينتين، بل في النظام كله، وربما يكون هذا هو الوقت المناسب لإعادة التفكير في نموذج التعليم في غزة: مدارس أكثر مقاومة، مناهج مرنة، وشراكات مع جامعات خارجية تمنح الطلاب فرصة للتعلم حتى لو لم يستطيعوا السفر.

ويبدو أن المفارقة الأكبر هي أننا نتحدث عن جيل محروم من المدارس، وفي نفس الوقت يخرج منه طلاب يحصلون على المركز الأول بنسبة 99.9%، فهذه المفارقة تقول شيئاً واحداً: أن الإرادة لا تهدمها الصواريخ، لكن الإرادة وحدها لا تكفي. فالطالب الذي يدرس على ضوء شمعة اليوم، ربما لن يجد جامعة يلتحق بها غداً إذا لم يتم التدخل فوراً.

كما أن استعادة التعليم في غزة لن تكون مجرد إعادة بناء حجارة، بل إعادة بناء أمل، فكل فصل يتم ترميمه يعني مئات الطلاب عادوا إلى مقاعدهم، وكل كتاب يتم توزيعه يعني عقلاً لم يتم إطفاؤه، وربما تكون هذه هي المعركة الأهم في مرحلة ما بعد الحرب: معركة استعادة الطباشير والسبورة قبل استعادة الأسمنت والحديد.

وفي النهاية، قد تمثل أزمة التعليم في غزة تحذيراً للعالم، فعندما يُحرم 700 ألف طفل من المدرسة، فإننا لا نتحدث عن أرقام، بل عن مستقبل دولة بأكملها، وربما يكون تفوق طالب واحد وسط هذا الخراب هو الرسالة الأهم: أعطوا أطفال غزة فرصة، وهم سيعيدون بناء كل شيء.

×
أخبار
مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط