مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

منح الصلح.. تبًّا لنا بعده

الشاهد أقفل عينيه. كان قد توقف عن الكتابة. نقص المشهد كثيراً. منح الصلح، أثخنه العمر، أقعده عن الكتابة ثم عن الكلام، وهو الذي يشبه كلامه ويتشبه به مقلدون، وينقلون عنه، كمن ينقل عن ثقة، كأن يقال: «حدثني منح الصلح».
الشاهد لم ترأف به أحوال وأقوال. فكل ما حوله، وما حولنا بعده، يدعو للموت. هو أكمل موته. الآخرون بعده، يستكمل موتهم مسيرته، وهم أحياء مقعدون عن الأمل... أمة انتهت، ووطن صغير، بقياس لبنان، يشبه آلة تسجيل تعيد ما ترويه الببغاء في السياسة والطوائف و«العيش المشترك» وما تبقى من نهش في جثة المأساة. وطن، فهمه منح الصلح على طريقته، بواقعيته ووقائعه، بقواه الخائرة، بضعفه الشاهق، بوظيفته المسكينة، فحاول أن يرتقه بمقالات سرية، أو بخطب ودية، أو بمنادمات شيقة، أو بصيغ صارت مضرب مثل يتناسل: «المارونية السياسية»، بدعته التي استعارها آخرون، فسموا «الطوائف العظمى» في لبنان بأسماء منح الصلح واستعاراته، فدرج الزمن السياسي، بنَسْخ لا إبداع فيه، فسمى الأشياء الوضيعة بأسمائها الحسنى: «السنية السياسية» و«الشيعية السياسية»... إلى آخر الأعداء.
الشاهد رأى قبل سواه، خراب الهيكل. لم ييأس منه. حاول صياغة أعمدة «وطنية» له. على طريقة كاظم الصلح، وربابنة العروبة الوضعية والواقعية. فشل النص ونجح الشخص.
وها هو لبنانه، ولبنان آل الصلح، يسخر من كل المحاولات والتسويات ومحطات التفاهم، ويسهر على أخذ المشهد اللبناني، إلى نص «داعش» ولو كتب بالدم... كان منح، أحد عقول لبنان، في مرتبة من آمن به امكانا وتفرداً وتجربة. كان عقلا ولم يكن من قديسي النظام والكيان، أمثال السابقين في تكريس الطقس اللبناني الخاص، سياسة واتجاها واقتصاداً وثقافة (ولو كانت اختراعاً). من «قديسي» لبنان الصيغة، ميشال شيحا، بعض من جورج نقاش، شيء من ميثاقية الخوري ـ الصلح. هو لم يكن قديس النظام، كان عقلاً فيه، حاول ثم حاول ثم... بلغنا النهاية. لقد خانه بلده، كما خان عقوله السالفة وقديسيه الذين طوّبوه، «لا شرق ولا غرب»، فإذا هو مع الأضداد كلها، ولم يبق له شيء كي يكون هو نفسه... «لبنانه خلص». لبنان الصيغة والميثاق انتهى. ما تبقى منه، لم يعد جديراً بالبقاء. هكذا تنبئ الأيام التي تتداول لبنان، من عرسال إلى بعبدا وطرابلس وبريتال والإمارات السياسية والأمنية... وأرباب النظام الصغار جداً، أيدي سبأ.
لو رأى منح مآلات لبنان، لظن أنه في أرخبيل ديني، تتوزعه جزر يحيط به القراصنة ويحط فيه قراصنة الدين والآية والكفر و«فرسان الحنان» القادمين من الغرب... الغراب قادم. العتمة تملأ هذا الظلام العربي.
تقريبا، مع نهاية منح الصلح، انتهى كل شيء كتب عنه وتمنّاه وحاول ترميمه. نعم كل شيء. عروبته الهادئة والعميقة والسلسة اختفت. إسلامه المشتبه بتعاطفه وتواضعه وتواصله، مع المسيحيين، أنداد الكيان، تخلّف عن الكلمة السواء. صار مالاً وثروة وعتاداً وسيلاً من روائع الهجاء. إسلام الآخرين لا يشبهه. إسلام، تتشبه به الثياب السود، البيارق السود، السكاكين السود، الآثار السود... لا بسمة في هذا الحشد المختنق بالسواد. لا نكتة طريفة، تشبه روائع منح... اختفى المشهد اللبناني السابق. أما المشهد العربي، فبات خارج خريطته ونصه ورجالاته وقضاياه. بدد هذه البلاد.
هو الحزن على منح الذي يفتح الجراح وينكأ الروح وينتقم من أي أمل ضئيل. لو سئل منح: هل كنت تتصور أن يأتي يوم، ويكون المشهد في المشرق، تكراراً لمشاهد هولاكو وتيمورلنك؟ هل كنت تتوقع هذه النهايات المتتابعة والصاعقة، لكل ما آمنا به عروبة ووحدة وأوطانا وإنساناً وتقدماً وحرية وكرامة وتحريراً؟ هل كنت ترى هذا الكابوس الذي يجري فيه اعتقال جمال الدين الأفغاني وسوقه إلى الجلد، واختطاف محمد عبده والتنكيل به، ومحاكمة علي عبد الرازق وإعدامه، والتشهير بطه حسين وفقء روحه، وإخفاء قاسم أمين، وتحريض النسوة عليه، باسم الحجاب والبرقع وآيات التقليد؟ هل راودتك وهابية متفشية؟ تباً لنا.
هل كنت تتصوّر يا منح أن تسقط سوريا العروبة، في العدم المذهبي وتصير قارعة تلتقي في خاصراتها قوى الطغيان الداخلي والديني والإقليمي والغربي؟ هل كنت تتنبأ بأننا سنعود أدراجنا إلى أروماتنا المنقرضة في التاريخ، والمستيقظة في احتفالات الفعل، ننضح موارنة وروماً وسنة وشيعة ودروزاً وكرداً وعلويين وازيديين وشركساً وأرناؤوطاً؟
أهذا هو العراق؟
ألف هل، جوابها لا.
لا عبقرية لدى منح ومن سبقه ومن بقي بعده، لأن يهجس بهذه النهايات الباسلة، للقيم والحضارة والأوطان والأفكار؟ عبقريته، رصدت مصائب صغيرة وتنبهت من أخطار محسوبة. لم نقرأ ولم نكتشف، لو ربيعاً عربياً، ولا استبداداً زاحفاً باسم الإسلام. ما كان يمكن رصد الانحدار العربي إلى هذا الدرك، وصعود الهمجية إلى هذه المنصّات، حيث الأهوال، تعيد المنطقة، إلى العصر الحجري إنسانياً.
الشاهد أقفل عينيه.
منح الصلح، غادر، بصمت الكلمات، ولا معنى الأقوال. كل السلطة للعنف والتوحش. عنف الأنظمة وهول القتال ضدها وضد الجميع، بمن فيهم أبرياء الروح وأنقياء العقل.
كل العقل انتهى. هذا زمن الجنون والطوفان. سيول الغرائز البهيمية المدمرة تجتاح «بلاد العرب أوطاني»... بلاد الطاعون الديني لا دواء لها، غير المزيد من العنف والموت والقتل، بلاد العار هذه. لا بلاد العرب.
بغياب منح الصلح، تَمَّحِي ذاكرةٌ، تُقْتَل كلمات، تُغتال أحلام... ولا شيء غير الركام.
بغيابه، يصير الهواء الذي نتنفسه، عبثاً ورماداً. يا زمن! هذا كثير علينا. فمن يرأف بنا، غير الموت الرحيم، بشرط أن يأتي، وفق رزنامة الأيام، وليس عبر منصات الإعدام الشاسعة.
منح الصلح، موتك أنقذك. انه نعمة لأمثالك، وعقوبة لمن يسير اليوم خلف نعشك... خلف نعوشنا.

عن السفير

×
أخبار
قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط