مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

معضلة غزة في العقل الإسرائيلي

معضلة غزة في العقل الإسرائيلي

تاريخ النشر: 2026-02-09 | 13:43

لم تكن غزة خطأً جغرافيًا في حسابات المشروع الصهيوني، بل كانت منذ اللحظة الأولى فائضًا تاريخيًا خارج السيطرة، عقدةً في العقل التأسيسي للدولة التي أرادت أن تُقام بلا شعب، وعلى أرض بلا ذاكرة... منذ النكبة، فهم بن غوريون أن غزة ليست مجرد شريط ساحلي مكتظ بالبؤس، بل كثافة بشرية فائضة عن قدرة الاستيعاب الصهيوني، فائضًا أخلاقيًا يفضح الأسطورة المؤسسة، ولذلك حاول مبكرًا تقليمها، لا لأنها خطر عسكري، بل لأنها خطر رمزي.
ثم جاء ليفي أشكول، فتوهم أن المعضلة يمكن حلها بإزاحة البشر كما تُزاح الأحجار، فحاول دفع سكان غزة نحو العريش، وكأن الإنسان يمكن اقتلاعه من تاريخه كما تُقتلع اللافتة من الشارع. لكنه اصطدم بحقيقة لم يستوعبها: غزة ليست قابلة للنقل، لأنها ليست مجرد مكان، بل حالة تاريخية متحركة، ومخزنًا للذاكرة الفلسطينية التي فشلت النكبة في محوها.
بيغن حاول أن يذيب غزة في اليومي، أن يحوّلها من قضية إلى مسألة معيشية، ومن صراع إلى إدارة حياة، ففتح الجسور ظنًا منه أن الاقتصاد يمكن أن يهزم الهوية، وأن الرغيف يمكن أن يُسكت التاريخ. لكنه اكتشف أن الجسور ليست دائمًا معابر للاندماج، بل قد تكون مسارات للتمرد، وأن غزة، كلما حاولوا تطبيعها، ازدادت تمرّدًا.
حتى رابين، الذي مثّل العقل الأمني الأكثر براغماتية، انهار أمام هذه المعضلة، ولم يجد سوى أن يتمنى أن يبتلعها البحر... لم يكن ذلك انفعالًا عابرًا، بل اعترافًا صريحًا بعجز القوة حين تواجه شعبًا لا يمكن كسره، وبعجز الدولة حين تصطدم بشعب يرفض أن يتحول إلى هامش.
شارون، الجنرال الذي آمن بالقوة بوصفها لغة السياسة الوحيدة، قرر الانسحاب من غزة، لا بدافع السلام، بل بدافع اليأس. تفكيك المستوطنات لم يكن تنازلًا، بل محاولة للهروب من لعنة المكان. اعتقد أن الخروج منها سيحوّلها إلى عبء داخلي فلسطيني، وأن الصراع سيتآكل داخلها، لكنه لم يدرك أن غزة، حين تُترك وحدها، لا تنطفئ، بل تتحول إلى مختبر للمقاومة، وإلى فضاء يعيد تعريف معنى المواجهة.
ثم جاء نتنياهو، حاملًا مشروعًا أكثر قسوة ووضوحًا: غزة ليست طرفًا في السياسة، بل موضوعًا للعقاب. الحصار لم يكن إجراءً أمنيًا، بل فلسفة حكم، والانقسام لم يكن صدفة فلسطينية، بل سياسة إسرائيلية مُدارة بدقة. غزة تحولت إلى مختبر لإعادة هندسة المجتمع الفلسطيني: تجويع محسوب، انهيار بطيء، واستنزاف طويل للنفس التاريخي للشعب.
وحين فشلت سياسة الحصار في إخضاع غزة، وفشلت سياسة الانقسام في تفكيكها، اتُّخذ القرار الأخطر: الانتقال من منطق الاحتواء إلى منطق الإلغاء. لم يعد المطلوب السيطرة على غزة، بل اقتلاعها من المعادلة السياسية، بترها من الجغرافيا الوطنية، وتحويلها من قضية تحرر إلى ملف إنساني قابل للتدويل والإدارة الدولية.
هنا لم يعد نتنياهو بحاجة إلى جنرالات فقط، بل إلى جراحين سياسيين. استُدعي ترامب، لا بوصفه رئيسًا أمريكيًا، بل بوصفه مهندسًا لإعادة تشكيل الواقع، رجلًا يؤمن بأن التاريخ يمكن إعادة صياغته بصفقة، وأن الشعوب يمكن دفعها إلى الهجرة عبر إدارة الألم بدل إنهائه. المطلوب لم يكن تدمير غزة فقط، بل إعادة تعريفها: تحويلها من قلب الصراع إلى هامش العالم، ومن قضية سياسية إلى كارثة إنسانية دائمة، ومن شعب يقاوم إلى بشر يبحثون عن منفذ للهروب ....!
في هذه الرؤية، يجب ألا تفكر غزة في المستقبل، وإن فكرت، فعليها أن تراه بعين مكسورة، وبوعي مُنهك، وبأيدٍ مرتجفة أنهكها الحصار، وسلبتها السياسة كرامتها، وأقنعتها القوة بأن البقاء نفسه امتياز مشروط بالطاعة. المطلوب ليس قتل غزة دفعة واحدة، بل قتل قدرتها على الحلم، وإقناعها بأن التاريخ انتهى عند حدود الألم.
لكن المأزق الذي لم يفهمه صناع القرار في تل أبيب، أن غزة ليست مجرد مساحة يمكن بترها، بل هي السؤال الذي لا يمكن التخلص منه. كل محاولة لإلغائها أعادت إنتاجها بشكل أكثر راديكالية، وكل محاولة لإخراجها من الصراع أعادتها إلى مركزه. غزة ليست عبئًا على إسرائيل فقط، بل فضيحة مستمرة لمشروع قام على وهم القوة، وظنّ أن الحديد والنار قادران على إخضاع شعب قرر أن يكون أكبر من الهزيمة.
غزة، في النهاية، ليست مشكلة أمنية، بل مأزق وجودي لدولة قامت على إنكار وجود الآخر. ولذلك، فإن فكرة القضاء على غزة ليست سوى الوجه الأكثر عنفًا لفشل المشروع الصهيوني في الإجابة عن سؤال بسيط: كيف يمكن لدولة أن تعيش فوق أرض لم تنجح في قتل أصحابها؟
 

×
أخبار
نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط