تاريخ النشر: 2026-10-12 | 19:50
تاريخ النشر: 2026-10-12 | 19:50
واشنطن: تخوض القارة الأفريقية تحولاً هيكلياً عميقاً في طبيعة علاقاتها الاقتصادية مع القوى الدولية؛ حيث يتراجع بالتدريج نموذج «المساعدات والدعم الإغاثي» التقليدي لصالح نمط جديد يقوم على المنافسة الشرسة على الاستثمار التجاري، والموارد التعدينية الحيوية، والموانئ الاستراتيجية، ومشاريع البنية التحتية.
وفي مقال تحليلي نشرته مجلة «فورين أفيرز» (Foreign Affairs) بتاريخ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2026، سلط جاريد كوهين، رئيس الشؤون العالمية في «جولد مان ساكس» (Goldman Sachs) والمشارك في قيادة معهدها العالمي، الضوء على هذا التحول الاستراتيجي. ويرى كوهين أن القارة لا تسير وفق مسار نمو موحد، بل تتجه نحو انقسام متزايد يخلق واقعاً يمكن تسميته بـ «أفريقيا اثنتان»: الأولى قادرة على جذبت الدفقات الاستثمارية والاستفادة من تحولاتها الديموغرافية ومواردها، والأخرى عالقة في دوامة الفساد، والصراعات، وضعف المؤسسات، وغياب الطاقة.
تتداخل ثلاثة عوامل رئيسية تجعل من أفريقيا ساحة ثقيلة الوزن في الجغرافيا السياسية والاقتصادية العالمية:
المعادن الحيوية والتحول الطاقي: تحتضن أفريقيا جنوب الصحراء نحو 30% من الاحتياطيات العالمية المعروفة من المعادن الحيوية (مثل الكوبالت، الليثيوم، النيكل، والنحاس) الضرورية للصناعات التكنولوجية المتطورة وسلاسل إمداد الطاقة المتجددة.
الكتلة الديموغرافية الشابة: تمتلك القارة أعلى معدلات النمو السكاني وأكثر القوى العاملة شباباً على مستوى العالم، ما يشكل قاعدة استهلاكية ضخمة وقوة إنتاجية واعدة مستقبلاً.
الموقع الجغرافي والممرات الملاحية: تسيطر الموانئ الأفريقية على منافذ تجارية عالمية فائقة الأهمية عند قناة السويس وباب المندب؛ وقد أدى اضطراب الملاحة في البحر الأحمر إلى إعادة تحويل جزء كبير من حركة الشحن الدولي نحو طريق رأس الرجاء الصالح، مما أضفى أهمية استراتيجية مضاعفة على الموانئ الأفريقية الساحلية.
لم تعد المنافسة على أفريقيا محصورة في الصراع القليدي بين واشنطن وبكين، بل شهدت الخريطة دخول أطراف جديدة تمتلك مرونة ورؤوس أموال ضخمة:
أدركت الصين مبكراً الأهمية الاستراتيجية للقارة، فربطت استثماراتها باستخراج الموارد عبر «مبادرة الحزام والطريق»، وتمكنت من بناء، وتمويل، وإدارة عشرات الموانئ وشبكات السكك الحديدية في عمق القارة.
تحاول الولايات المتحدة ومجموعة الدول السبع تقليل الاعتماد على سلاسل الإمداد الصينية من خلال إطلاق مشاريع استراتيجية منافسة، يأتي على رأسها «ممر لوبيتو» (Lobito Corridor) للربط المالي والتعديني بين أنغولا، وجمهورية كونغو الديمقراطية، وزامبيا.
يصف كوهين تدفق الاستثمارات الخليجية بأنه أحد أكثر التطورات الاقتصادية أهمية والتي لا تحظى بالتغطية الكافية. إذ تتحرك الصناديق السيادية والشركات في الإمارات، والسعودية، وقطر بسرعة عالية للاستثمار في الموانئ، والخدمات اللوجستية، والتعدين، والبنية التحتية الرقمية، والعقارات. وتفضل العديد من الحكومات الأفريقية هذا النموذج لأنه يقوم على شراكات الملكية والاستثمار المباشر بدلاً من إرهاق كاهل الدول بالديون السيادية.
تُبرز معطيات الأمم المتحدة أن أكثر من 80% من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في أفريقيا تتركز في 15 دولة فقط، وهو ما يؤكد أن وفرة الموارد الطبيعية أو النمو السكاني وحدهما لا يضمنان تدفق رؤوس الأموال.
ويرهن التقرير قدرة الدول على الاستفادة من هذه الموجة الاستثمارية بتحقيق عدة شروط رئيسية:
الاستقرار المؤسسي وسيادة القانون: يبحث المستثمرون عن البيئات التي توفر حماية جيدة للعقود، وحقوق الملكية، وشفافية الإجراءات القضائية والتنظيمية (مثل نماذج رواندا، وبوتسوانا، وزامبيا).
حل أزمة الطاقة والكهرباء: تُعد الطاقة النقطة الحاكمة لأي تحول صناعي؛ حيث يفتقر زهاء 600 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء إلى الكهرباء. ودون شبكات طاقة موثوقة وميسورة التكلفة، يستحيل بناء قاعدة تصنيع حديثة.
تحويل الديموغرافيا إلى قوة إنتاجية: إن الزيادة السكانية دون توفير تعليم حديث، وتدريب مهني، وفرص عمل حقيقية، ستتحول من ميزة ديموغرافية إلى محرك للاضطرابات الاجتماعية وعدم الاستقرار السياسي.
التكامل الإقليمي وتجاوز التجزؤ: يمثل تفعيل «منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية» (AfCFTA)، وتوحيد الإجراءات الجمركية، وتطوير الممرات اللوجستية، أدوات حاسمة لربط الأسواق المجزأة وخلق سوق أفريقية موحدة ذات جاذبية عالية.