مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

مركز مسارات: نموذج "بيتا" الردّ الشعبي الفلسطيني على مخططات الاستيطان

مركز مسارات: نموذج "بيتا" الردّ الشعبي الفلسطيني على مخططات الاستيطان

تاريخ النشر: 2021-09-13 | 12:06

رام الله: قام المشاركين في برنامج "التفكير الإستراتيجي وإعداد السياسات" - الدورة السابعة، الذي ينفذه مركز مسارات بالتعاون مع الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، بإعداد ورقة بحثية بعنوان " نموذج "بيتا" الردّ الشعبي الفلسطيني على مخططات الاستيطان"، وجاء بالورقة كالتالي:"

اتخذ المستوطنون من عملية إطلاق النار، يوم 2 أيار/مايو 2021، عند مفترق زعترة، جنوبي نابلس بالضفة الغربية المحتلة، ذريعةً لإقامة البؤرة الاستيطانية المسماة "أفيتار" على أراضي جبل صبيح، الواقع بين ثلاث قرى فلسطينية، وهي"بيتا وقبلان ويتما"، وإسكان قرابة 50 عائلة إسرائيلية فيها[1]، وهو ما دفع أهالي بيتا للتصدي لهذه المحاولة الاستيطانية، وإجبار المستوطنين على الرحيل.[2]

يشير نموذج بيتا إلى الفرص الكامنة في تعميق الطابع الشعبي للتصدي لمخططات التوسع الاستيطاني، وفضح وإحباط السياسة الإسرائيلية الرسمية، التي توفر الدعم والرعاية لجماعات اليمين الاستيطاني المتطرف لإنشاء البؤر الاستيطانية، ومن ثم شرعنتها وتحويلها إلى مستوطنات. وبالتالي، فإن بؤرة "أفيتار" جزء من مخطط قديم جديد، قوبل برد فلسطيني شعبي فاعل ومؤثر، إذ بات نضال أهالي بيتا اليومي، لإحباط مخططات التوسع الاستيطاني في مهدها، نموذجًا تستلهمه قرى مجاروة.

"جبل صبيح" ... صمود في وجه سياسات تقسيم الضفة

تقع قرية بيتا بين مرتفعات جبلية عدة، بينها جبل صبيح، الذي يتبع سلسلة جبال نابلس، وهو موقع إستراتيجي غني بأشجار الزيتون والعنب واللوز، ولها منطقة صناعية، تقع تحت البؤرة مباشرة، تضم حرفًا ومصانع حجارة ومناجر.[3]

يشكل جبل صبيح بعدًا إستراتيجيًا مهمًا للإسرائيليين، إذ يطمحون إلى خلق امتداد للبؤر الاستيطانية والسيطرة على المناطق المرتفعة كجبلي العرمة والنجمة وغيرهما، ضمن مخطط للسيطرة على الضفة، وفصل شمالها عن وسطها، لا سيما في ضوء الحديث عن إنشاء شريط يتجاوز 120 مترًا من الشارع الممتد من زعترة حتى مدينة أريحا؛ لتشكل هذه البؤر معًا مثلثًا يقسّم الضفة، إضافة إلى تهويد المنطقة وإحكام السيطرة الأمنية عليها[4]، وتشكيل امتداد للكتلة الاستيطانية الأكبر في الضفة، التي تبدأ من رأس العين، مرورًا بمستوطنات "الكناة" و"بركان" و"أريئيل" و"تفوح" وحاجز زعترة، ثم تتجه شرقًا إلى مستوطنات الأغوار".[5]

استغل المستوطنون انشغال الفلسطينيين والعالم بالقدس وما يجري في أحيائها، وخاصة حي الشيخ جراح، وبالمسجد الأقصى والمواجهات اليومية في الضفة؛ لإقامة بؤرة استيطانية على جبل صبيح.

أفاد تقرير للمكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، صدر مطلع العام 2021، بأن سلطات الاحتلال صادقت في السنوات الثلاث الأولى من حكم الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب (2017-2021)، على بناء ما معدله 7 آلاف وحدة استيطانية سنويًا، أي ما يقارب ضعف متوسط الوحدات الاستيطانية في السنوات الثلاث التي سبقتها في عهد إدارة الرئيس باراك أوباما (2009-2017)، التي تجاوزت 3600 وحدة سكنية، وقد سجّل العام 2020 أسرع وتيرة للنشاط الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية منذ 20 عامًا، إذ شهد مصادقة السلطات الإسرائيلية على بناء أكثر من 15 ألف وحدة استيطانية.[6]

استيطان ومقاومة شعبية

لم تكن بؤرة "أفيتار" الأولى ضمن محاولات السيطرة على قمة جبل صبيح، فقد أُقيم في العام 1985 معسكر "تابوحيم" الذي استمر لسنوات عدة قبل انسحاب الجيش منه منتصف التسعينيات.[7] وفي العام 2013، أقام المستوطنون بؤرة "أفيتار" للمرة الأولى، وأطلقوا عليها اسم "جفعات أفيتار"، نسبة إلى مستوطن قتل عند حاجز زعترة [8]، إلا أنها أخليت بعد فترة قصيرة بأمر عسكري؛ نتيجة المواجهات العنيفة والفعاليات المتواصلة من قبل الأهالي. وفي العامين 2016 و2018، جدد المستوطنون محاولتهم بناء البؤرة.[9]

وتكرر الأمر في أيار/مايو 2021، إذ أعاد المستوطنون بناء بؤرة "أفيتار" من جديد، وأقاموا الخيام والغرف المتنقلة، مع تعبيد الطرقات المؤدية إليها، وإنشاء بنايات حجرية، إضافة إلى بناء مدرسة دينية وكنيس وحضانة أطفال[10]، وشرعوا في تمديد خطوط الكهرباء والمجاري وتعليق اليافطات.

ما يميز بؤرة "أفيتار" هذه المرة حصولها على دعم سخي من حركة "ناحالا" الاستيطانية، بالتنسيق مع المجلس الإقليمي للمستوطنات؛ للإشراف على بناء وإقامة سبع بؤر استيطانية جديدة على تلال وجبال مختلفة، مثل جبلي "العرمة" و"النجمة"، عن طريق تكوين "أنوية استيطانية" تضم كل منها 15 إلى 25 أسرة؛ بغرض بناء "مجتمع مستوطنين" جديد من الصفر في ظل الرعاية والحماية من جيش الاحتلال.[11]

خرجت أهالي القرى الثلاث المستهدفة، وخاصةً بيتا، في مسيرات سلمية حاشدة وفعاليات شعبية رفضًا لمنظومات السيطرة الإسرائيلية على الأرض والسكان، مستلهمين نشاطاتهم وفعالياتهم من الهبات الشعبية في الأراضي المحتلة، وخاصة في القدس وقطاع غزة خلال الفترة الماضية، فاستحدثت بيتا ما يشبه نموذج بلعين المستمر منذ سنوات عبر الفعاليات الأسبوعية، كالتظاهرات والاعتصامات والندوات والمهرجانات الخطابية والأهازيج الشعبية والغناء، كما انتهجت فعاليات وأساليب المقاومة الشعبية الخشنة المتبعة في غزة، كفعاليات "الإرباك الليلي"، لإجبار المستوطنين على الرحيل عن طريق إطلاق المفرقعات، وإشعال الإطارات في محيط قمة الجبل، واستخدام مكبرات الصوت والتكبيرات بصوت عالٍ والأضواء الساطعة وأشعة الليزر.[12]

وفي هذا السياق، كتبت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية أن "الكفاح المستمر" لأهالي بيتا مستوحى مما تفعله المقاومة على حدود غزة، وبعد ليلة حافلة "بالإرباك الليلي"، كتب الإعلام العبري أن ما بدأ على حدود غزة يحدث الآن بالقرب من بؤرة " أفيتار". ونقل عن مصدر محلي في بيتا "أنه يتعين على إسرائيل أن تعد 14 ألف رصاصة لقتل جميع سكان بيتا، إذا كانت تعتزم السيطرة على الجبل".[13]

وكنوع جديد من التنظيم، يقسّم الشبان أنفسهم إلى وحدات: الإرباك الليلي، والكاوتشوك، والمشاعل، والتحدي، والمقاليع، والدعم اللوجستي، فيما تؤدي الوحدة الأخيرة دورًا مهمًا في سياق المقاومة، إذ تساهم النساء برفد هذه الوحدة احتياجاتها من طعام وشراب، إلى جانب وحدة "الجندي المجهول" التي تضم طواقم الإسعاف.[14]

وأجبرت المواجهات المتواصلة جيش الاحتلال على إصدار قرار بإخلاء البؤرة الاستيطانية في غضون 8 أيام، وإزالة المباني والمنشآت المقامة، وعدم السّماح بإدخال مواد بناء لها خلال هذه المدة[15]، إلا أن أهالي بيتا ما زالوا يعانون من سياسات التأجيل في البت في القضايا المناهضة للاستيطان، تمامًا كما يحدث في حي الشيح جراح وسلوان وغيرهما من المناطق.[16]

قدم مركز القدس للمساعدة القانونية، إلى جانب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، التماسًا نيابةً عن المجالس المحلية للقرى الثلاث بغرض الطعن في قانونية اتفاق بؤرة "أفيتار" لعدم شرعيتها، إلا أن المحكمة الإسرائيلية اعتبرت الالتماس "مبكرًا"، وأجلت فحص "قانونية البؤرة" والاتفاق الذي أبرمته حكومة نفتالي بينيت مع المستوطنين إلى حين الانتهاء من مسح أراضي المنطقة".[17]

عناصر القوة في نموذج بيتا

أحدثت فعاليات "الإرباك الليلي" وفعاليات التصدي الشعبي المباشر للجيش والمستوطنين في بيتا، تطورًا مهمًا في أساليب المقاومة الشعبية في مواجهة الاستيطان، وسرعان ما انتقل هذا النموذج إلى قرى مجاورة يتهددها خطر التوسع الاستيطاني، إذ اعتمد أهالي بلدتي "بيت دجن" و"قصرة"، نموذج فعاليات المقاومة الشعبية، وبضمنها الإرباك الليلي[18]، مما يجعل توفير متطلبات تعميم هذا النموذج من المقاومة على المناطق المهددة في الضفة، عبر التركيز على إفشال محاولات إقامة بؤر استيطانية جديدة، أمرًا يستحق الاهتمام.

ويكمن أبرز ما يميز نموذج بيتا في الآتي:

صمود سكان بيتا، وإصرارهم على مواجهة الاحتلال العسكري وتجلياته الاستيطانية بكل ما يملك من مصادر وأدوات وقوة ونفوذ.

توسيع دائرة التصدي، وتعزيز نهج المقاومة الشعبية وأشكالها المختلفة، وتحويلها إلى أسلوب حياة يومي.

الاستفادة من التجارب السابقة، كالانتفاضة الأولى، ومسيرات العودة في غزة، وهبات القدس ... وغيرها؛ لاستلهام أشكال التنظيم والتخطيط كعمل لجان شعبية، والتقسيم إلى وحدات.

مقاومة شعبية واسعة عابرة للحزبية، وليست محصورة بعمر أو جنس معين.

الدعم الجماهيري من قرى وبلدات ومدن فلسطينية مجاورة.

التعاطف والتأييد الشعبي والدولي الذي لاقته "مقاومة بيتا"، كما ولدّت ضغوطًا ديبلوماسية على حكومة الاحتلال لإزالة البؤرة وتفكيكها، خشية ازدياد حدة التوتر وانفجار الوضع في الضفة.

السلطة والفصائل .. دعم سياسي، ولكن!

تظهر السلطة الفلسطينية ومؤسساتها، وخاصة وزارة الخارجية، قصورًا في توفير متطلبات الدعم اللازمة لأهالي بيتا والقرى المجاورة، وفضح جرائم الاحتلال دوليًا[19]، إلى جانب التقصير في توفير متطلبات تعميم هذا النموذج، ضمن مقاومة شعبية شاملة في وجه سياسات الاحتلال.

وما يعمق هذا القصور وجود عوامل ذاتية تعيق دعم وسائل المقاومة الشعبية المتنوعة، كاضطراب تعريف المقاومة الشعبية لدى السلطة أولًا، إذ تقترن المقاومة الشعبية لديها في الوقفات الاحتجاجية، ومخاطبة المؤسسات الدولية والمجتمع الدولي، وبيانات الرفض والاستنكار، بعيدًا عن تعزيز هذه المواقف عبر "إستراتيجيات وخطط واضحة"، وتبني سُبل جديدة لتنظيم ودعم المقاومة الشعبية التي تفتقر إلى الحاضنة التنظيمية، سياسيًا وميدانيًا، خاصةً أن أغلب الشبان نشطاء ورافضون لسياسات الاستيطان، ولا يندرجون ضمن إطار تنظيمي معين.[20]

في المقابل، حظيت مقاومة بيتا بتأييد الفصائل الفلسطينية، باختلاف تياراتها الفكرية، التي اعتبرتها انعكاسًا لإصرار أهالي القرية على إفشال مخططات الاحتلال، غير أن العبء الرئيسي لا يزال ملقى على كاهل أهالي القرية، مع التنويه إلى دور حركة فتح، وشبيبتها، وتواجدهم في الفعاليات باختلافها وتنوعها كدعمٍ لسكان بيتا ومقاومتهم الشعبية.[21]

خاتمة

في مشهد جاء متناغمًا مع التطورات في القدس والضفة وقطاع غزة والداخل، ليجسد وحدة الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن تواجده، تحولت بيتا إلى أيقونة للمقاومة الشعبية، وبات "جبل صبيح" من أبرز المواقع التي تشهد مقاومة شعبية يومية.

إن تعميم نموذج بيتا في الرد الشعبي على مخططات الاحتلال على بقية المناطق المهددة في الضفة ضرورة ملحّة، ويعد اختبارًا وطنيًا في ظل ممكنات ذلك، فاستدعاء بعض أساليب النضال الشعبي من غزة يعني قابلية أن تكون "بيتا" وسيطًا ناقلا إلى بقيّة أماكن الاحتكاك والمواجهة في الضفة، وخلق حالة من الاشتباك اليومي مع المشروع الاستيطاني، وابتداع أشكال جديدة من المقاومة الشعبية، واستقطاب الدعم والتعاطف الدولي مع الحقّ الفلسطيني.

×
أخبار
شلومو بن عامي: لا حل للدولتين في الأفق وإسرائيل تعيش واقع الأبرتهايد تحقيق استقصائي: ضربات إيرانية دقيقة تمزق بنى تحتية بالخليج لتقوض أهداف الحرب الأميركية يائير غولان: نتنياهو تجاهل التحذيرات الأمنية قبل 7 أكتوبر وانشغل بالانقلاب القضائي «ذا نيويوركر»: ترامب يواجه احتمال خسارة الكونغرس وانحسار سلطته قبل الانتخابات النصفية عبري: إسرائيل ترفع التأهب تحسبًا للتصعيد وتستبعد ضربة لإيران قبل الانتخابات تحدياً لشروط بن غفير.. نتنياهو يعلن احتفاظ "الليكود" بوزارتي الجيش والأمن القومي إيفون عبد الباقي المرشحة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة: المنظمة فقدت بوصلتها.. والسلام هدفها الضائع الخزانة الأمريكية تقر عقوبات جديدة مرتبطة بإيران بينها بنوك عراقية ترامب يكشف كواليس حصول أميركا على الطائرة القطرية شاهين طالبت اتخاذ خطوات جدية لوقف المشاريع الاستيطانية ومخططات الضم لإقامة دولة فلسطين بعد رفض شعبي..ترامب يرفض البث الحي لإعدام نضال حسن عناصر من اليمين المتطرف يقتحمون مقر الحملة الانتخابية للقائمة المشتركة دبلوماسيان أمريكيان يحذران: تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل يهدد مكانتها الاستراتيجية ووجودها باهتة وغير حاسمة.. خبير بريطاني يحلل أسباب تعثر القوة الجوية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران "خسائر بمئات المليارات": تحولات ديموغرافية تهدد الاقتصاد الإسرائيلي ليبرمان يرفض دعم حكومة أقلية ويتعهد بائتلاف "صهيوني حصراً" استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان نتنياهو: أمليت موقفي على الشرع في مكالمة قصيرة وواضحة لوقف استهداف الدروز في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل مجلس السلام يعلن استكمال آليات الرقابة والمعايير المالية لتنفيذ خطة غزة السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط