مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

محرقة بنسلفانيا وشعلة غزة

ليس من قبيل المبالغة، في تقديري، إعطاء جريمة سفك دماء مُصلين داخل كنيس يهودي بعد ظهر السبت الماضي، بمدينة بيتسبرغ في ولاية بنسلفانيا، وصف «محرقة». روبرت باوزر، العنصري القاتل، لم يَخَفْ الجهرَ بنازيته، فلم يُخفِ رغبته الكريهة بقتل اليهود. أدى جرمه إلى مقتل أحد عشر متعبداً في يوم عبادة، وفق الديانة اليهودية. في السياق ذاته، من الصعب، أمام جُرم فظيع كهذا، ألا يقفز من قاع الذاكرة، مشهد باروخ غولدشتاين، الإرهابي المستوطن مدينة الخليل الفلسطينية، إذ يدنس الحرم الإبراهيمي ويداهم مصلين أثناء أدائهم صلاة فجر الجمعة، منتصف رمضان العام الهجري 1414، الموافق 25/ 2/ 1994، فيرتكب مجزرة تزهق أرواح تسعة وعشرين مسلماً. كلٌ منهما، باوزر وغولدشتاين، تجاوز الشرائع السماوية كافة، والأعراف الإنسانية كلها، وإذ ذاك، ليس من مبالغة في القول إنهما لا ينتميان لأي شرع سماوي، فما من خلافٍ حوله، وفق مختلف الثقافات والعقائد، هو أن الخالق عز وجل، كرّم النفس البشرية، التي خلقها، وأجَلَّ مكانتها بأن حرّم إزهاقها، وأمر عباده أجمعين بتهذيبها من نوازع الشر، وتعزيز تقواها بأن تزرع الخير، حيث وُجِدت، وحتى يرث الله الأرض وما عليها.
في مشهد مناقض لسموم كارهي الحياة وزراع الموت، لفتني تحقيق لمجلة «تايم» الأميركية الأسبوع قبل الماضي، عن الجيل الجديد من القيادات الشابة حول العالم (عدد 22/ 10/ 18). ضمن التحقيق، شد انتباهي تقرير عن قطاع غزة كتبته (Clara Nugent) تناول نشاط الشابتين (Rasha Abu Safieh) و(Bassma Ali) - أكتب الأسماء كما أوردتها المجلة. أنشأت الشاباتان موقعَ إنترنت مختصاً بوصل الشباب المتخصص في علوم التقنية الإنترنتية، مع سوق الوظائف في هذا المجال حول العالم، بهدف توفير فرص عمل لهم ولهن. يكفي التأمل في عبقرية الخيال المبدع لدى كل من بسمة ورشا، لكي يسجل المرء كثير احترام وتقدير لجهدهما، الذي يضيء شعلة أمل في مواجهة موت بطيء يتسبب به حصار ظالم مفروض على أهل قطاع غزة. رشا وبسمة متخصصتان في علوم الكومبيوتر، وبعد معاناة مع عدم توفر عمل لهما في مجالهما، ابتكرتا فكرة تأسيس وإطلاق موقع (GGateway) الذي أصبح بوابة تفتح أبواب العمل أمام شباب غزة مع شركات عالمية، ونجح حتى الآن في توفير ستمائة وعشرين وظيفة لشبان وشابات من القطاع.
يُسجل لكل من رشا وبسمة أنهما نجحتا في تطوير موقعهما لكي يحتل موقعاً بارزاً في الإقليم عموماً، وليس في غزة وحدها. شكراً للبنك الدولي، إذ دعم الموقع، في مايو (أيار) الماضي - وفق تقرير «تايم» - بثلاثة ملايين دولار. توقفت أمام هذا الدعم قليلاً، ثم تساءلت، تُرى لو أن فكرة موقع إنترنتي كهذا، أو فكرة مشابهة، عُرضت على متمول فلسطيني يملك إمكانية دعمها مالياً، كيف سيتعامل معها؟ الأرجح أن أول رد فعل سوف يكون السؤال: كيف سيتم رد رأس المال المُستَثمر، وما مقدار الربح الذي سيعود عليَّ؟ بالطبع، كما قيل دائماً، رأس المال الفردي جبان، همّه الأول ما يدخُل جيب صاحبه، وليس ما يُدخِل من فرح في قلوب الناس.

بعد قراءة تقرير «تايم» تذكرت أن المجلة ذاتها، نشرت في تحقيق مماثل لها مطلع تسعينات القرن السابق، نبذة عن شخصية من غزة أيضاً، عدّها التحقيق، آنذاك، ضمن قيادات المستقبل الفلسطيني، خصوصاً أن المعني كان أحد أبرز قادة الانتفاضة الأولى (1989). بالفعل، تسلم القيادي مواقع قيادية مهمة حتى أطاحت «حماس» حكم ضرتها «فتح» في القطاع، وانتهى الأمر بالقيادي نفسه إلى التنافس في ميدان «البزنس» ودنيا الأعمال، إنما من المنفى، وبلا تخلٍ تام عن الطموح السياسي. تلك هي الأيام، تُداوَل بين الناس، إنما تبقى ثروة الدول وأملها، في الشباب. يصح هذا في فلسطين، وفي كل مكان.
أختم بما بدأت. شتان ما بين إجرام كل من روبرت باوزر في بنسلفانيا، وقبله باروخ غولدشتاين في الخليل، وإبداع الشابتين بسمة ورشا في قطاع غزة. الأول سلوك ناتج عن منهج عنصري بغيض يريد إطفاء نور الحياة في الروح البشرية. الثاني وميض شعلة أمل يُبهج نفسَ كل متطلع لغدٍ أفضل، إذ يفتح أبواب المستقبل أمام أجيال الشباب. نعم، ما أوسع المسافة بين صفاء إنسانية الحب بين بني آدم وحواء، وعنصرية البغضاء وأحقاد الكراهية.

عن الشرق الأوسط اللندنية

×
أخبار
مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط