مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

ماذا يريد نتنياهو من التصعيد في غزة ولبنان؟

ماذا يريد نتنياهو من التصعيد في غزة ولبنان؟

تاريخ النشر: 2026-08-16 | 08:32

مصطفى إبراهيم
مصطفى إبراهيم

لا يبدو التصعيد الإسرائيلي المتواصل في غزة ولبنان مجرد سلسلة من العمليات العسكرية والأمنية المنفصلة، أو ردود فعل على تهديدات تفرضها تطورات الميدان. فخلف هذا التصعيد حسابات سياسية وأمنية أوسع، ترتبط بمستقبل الحرب، وبالمرحلة الانتقالية في قطاع غزة، وبموقع إسرائيل في الترتيبات الإقليمية التي تحاول إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دفعها إلى الأمام.

ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، التي لم يتبق عليها سوى أقل من شهرين ونصف، يصبح الحفاظ على صورة نتنياهو باعتباره رجل الأمن والحرب عاملاً سياسياً أساسياً. فكلما بقيت القضايا الأمنية في مقدمة المشهد، أمكنه إعادة تنظيم المنافسة الداخلية حول مفهوم الأمن والتهديد، وإبعاد النقاش قدر الإمكان عن إخفاقات حكومته وعن مستقبل غزة وعن المسؤولية السياسية عن الحرب.

في غزة، يريد نتنياهو الحفاظ على القدرة العسكرية الإسرائيلية وعلى حرية الجيش الإسرائيلي في العمل، ومنع تحول المرحلة الانتقالية إلى مسار سياسي مستقل عن إسرائيل.

فالمسألة بالنسبة إليه ليست فقط وقف إطلاق النار، أو السماح بدخول اللجنة الوطنية لإدارة غزة وممارسة مهامها، والتي لم نسمع منها حتى الآن موقفاً واضحاً ضد استمرار الاغتيالات، أو حتى ما يتسرب إعلامياً بشأن إقامة منطقة إنسانية في رفح، وما يثيره ذلك من مخاطر على بدء عملية إعمار شاملة للقطاع بدل تجزئة عملية الإعمار وربطها بترتيبات أمنية وجغرافية، ولا دخول قوة دولية إلى القطاع، وإنما من يملك القرار الفعلي في غزة، ومن يحدد شروط المرحلة المقبلة، وما إذا كان الانتقال سيقود في النهاية إلى انسحاب إسرائيلي كامل، أم إلى ترتيبات أمنية تضمن لإسرائيل استمرار السيطرة والنفوذ.

ولهذا فإن استمرار الاغتيالات والعمليات العسكرية، حتى مع الادعاء بخفض وتيرتها أو إعادة تقديمها تحت عناوين أمنية مختلفة، يؤدي وظيفة سياسية أيضاً، ويمنع تثبيت واقع جديد تسبق فيه الترتيبات السياسية الترتيبات الأمنية التي تريد إسرائيل فرضها.

وفي لبنان، تبدو الوظيفة مختلفة جزئياً. فإسرائيل تريد تثبيت معادلة مفادها أن وقف إطلاق النار أو أي ترتيبات سياسية لا تعني تقييد حرية الجيش الإسرائيلي في تنفيذ عمليات عسكرية عندما ترى أن هناك تهديداً أمنياً. ولذلك فإن التصعيد في الجنوب اللبناني يمثل أيضاً رسالة ردع، ليس فقط إلى حزب الله، وإنما إلى أي طرف يحاول وضع قيود سياسية على حرية إسرائيل في استخدام القوة.

فبحسب ما نقلته وسائل الإعلام الإسرائيلية عن محللين، فإن الإدارة الأمريكية طلبت إيضاحات من إسرائيل بشأن التصعيد في لبنان، لكنها قبلت في النهاية الرواية الإسرائيلية حول دوافع الهجوم. وهذا مهم، لأنه يشير إلى أن واشنطن، حتى عندما تطلب تفسيراً أو تدعو إلى ضبط النفس، لا تبدو في موقع المواجهة مع الرواية الأمنية الإسرائيلية، وإنما تتحرك داخلها.

وهنا ينبغي الحذر من المبالغة في الحديث عن ضغط أمريكي على نتنياهو. فالاعتراضات الأمريكية على ارهاب المستوطنين في الضفة الغربية، بما في ذلك ما جرى في قصرة، لم تتحول إلى ضغط حقيقي على الحكومة الإسرائيلية يغيّر سلوكها. والتصريحات الأمريكية، مهما كانت واضحة، تفقد كثيراً من قيمتها إذا لم تترافق مع إجراءات سياسية أو اقتصادية أو دبلوماسية تفرض كلفة على استمرار هذه السياسة.

وينطبق الأمر نفسه على غزة. فخلال الأشهر الماضية، استمرت عمليات القتل والاغتيالات والاستهدافات الإسرائيلية، رغم الحديث عن خفض وتيرة العمليات أو تغيير الجهة التي تتخذ بعض القرارات العملياتية. والنتيجة الفعلية لم تتغير جوهرياً: الحرب لم تتوقف، والقتل والاغتيالات مستمرة، بينما يجري تقديمها في كل مرة تحت مبررات أمنية جديدة.

لذلك، فإن الرهان على ممارسة ترامب ضغطاً أكبر على نتنياهو يبدو، حتى الآن، أقرب إلى احتمال نظري منه إلى سياسة أمريكية واضحة. فصحيح أن ترامب يريد تحقيق إنجاز سياسي في الشرق الأوسط، وربما يريد أن يقدم ترتيبات غزة باعتبارها نجاحاً لسياسته الإقليمية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه مستعد لمواجهة نتنياهو أو فرض تغيير استراتيجي على الحكومة الإسرائيلية.

الأرجح أن واشنطن قد تكون مستعدة لقبول خطوات محدودة يمكن تقديمها باعتبارها تقدماً في تنفيذ الترتيبات الخاصة بغزة، وربما السماح بتحرك محدود في منطقة رفح أو إقامة نموذج تجريبي لترتيبات أمنية وإدارية، من دون أن يصل الأمر إلى ضغط حقيقي لتنفيذ جوهر قرار مجلس الأمن، ولا سيما ما يتعلق بالتزامن بين نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي.

وهنا تكمن أهمية المرحلة المقبلة. فقد لا يكون الخلاف بين الإدارة الامريكية وإسرائيل حول ما إذا كانت هناك مرحلة انتقالية في غزة، وإنما حول مضمون هذه المرحلة وحدودها. إسرائيل تريد مرحلة انتقالية تحتفظ فيها بحرية العمل والسيطرة الأمنية، بينما تريد الإدارة الأمريكية ترتيباً يمكن تقديمه بوصفه انتقالاً سياسياً وإنجازاً إقليمياً. وقد يلتقي الطرفان عند صيغة وسط: خطوات سياسية محدودة، وترتيبات جزئية، وإدارة جديدة للخدمات والأمن، مع استمرار القدرة الإسرائيلية على التدخل العسكري.

وهذا يعني أن التصعيد لا يشكل بالضرورة عقبة أمام المشروع الأمريكي؛ بل قد يكون بالنسبة إلى نتنياهو وسيلة لإعادة صياغة هذا المشروع وفق الشروط الإسرائيلية، وتثبيت هذا الواقع على الأرض حتى مع دخول اللجنة الوطنية لإدارة غزة وهيئة الاستقرار ومباشرتهما مهامهما.

كما أن اقتراب الانتخابات الإسرائيلية يمنح نتنياهو سببًا إضافيًا للتمسك بهذه المعادلة. فهو يحتاج إلى الأمن والحرب سياسيًا، ولا يستطيع تحمل تقديم تنازلات يمكن أن يفسرها اليمين الإسرائيلي باعتبارها تراجعًا أو استسلامًا للضغوط الأمريكية.

في المحصلة، لا يريد نتنياهو من التصعيد تحقيق مكاسب عسكرية فقط، وإنما استخدام القوة لتثبيت شروط سياسية وأمنية للمرحلة المقبلة. وفي غزة، يعني ذلك الحفاظ على حرية إسرائيل في العمل ومنع تحول المرحلة الانتقالية إلى مسار يفضي إلى انسحاب إسرائيلي كامل أو إلى ترتيبات لا تضمن لإسرائيل السيطرة الأمنية. وفي لبنان، يعني تثبيت حق إسرائيل في مواصلة العمل العسكري حتى في ظل الترتيبات السياسية. أما واشنطن، فلا تبدو حتى الآن مستعدة لفرض تغيير جوهري على هذه المعادلة، وإنما تسعى إلى إدارة التناقض بينها وبين أهداف ترامب الإقليمية.

وهكذا يصبح التصعيد، بالنسبة إلى نتنياهو، وسيلة لإعادة تشكيل المرحلة الانتقالية لا مجرد استمرار للحرب؛ ووسيلة للحفاظ على موقع إسرائيل في أي ترتيبات مقبلة، وفي الوقت نفسه أداة سياسية داخلية قبل الانتخابات.

×
أخبار
هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط